الخميس 02 / ديسمبر / 2021

جيوبوليتكال: دوافع أبو ظبي لإعادة تأهيل النظام السوري

جيوبوليتكال: دوافع أبو ظبي لإعادة تأهيل النظام السوري
جيوبوليتكال: دوافع أبو ظبي لإعادة تأهيل النظام السوري

هناك قول مأثور قديم في العالم العربي وهو «لا يمكنك خوض الحرب بدون مصر أو صنع السلام بدون سوريا». واليوم بعد عقد من اندلاع الحرب الأهلية السورية، تبدو هذه الكلمات صحيحة بالنسبة للعديد من القادة العرب.

وبالرغم أن بشار الأسد يبدو واثقا من انتصار نظامه في الحرب، إلا أن القادة العرب في أجزاء أخرى من المنطقة قلقون من وجود الجهاديين والفصائل الموالية لأنقرة على طول الحدود التركية فضلا عن تواجد المليشيات الموالية لإيران في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

وللمساعدة في ترسيخ انتصار الأسد، تريد العديد من الدول العربية الآن تطبيع العلاقات مع سوريا ومساعدة البلاد على إعادة الإعمار. وتعد الإمارات من بين الدول الرئيسية التي تسعى من أجل إعادة تأهيل سوريا.

كسر عزلة الأسد

أعرب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الأسبوع الماضي، عن تخوف بلاده من الاندفاع العربي لتطبيع العلاقات مع النظام السوري. وجاءت تصريحاته مباشرة بعد زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق والتقائه بالأسد واتفاق الجانبين على إنشاء مجلس الأعمال السوري الإماراتي لإعادة العلاقات في مجالات التجارة والصناعة والزراعة والسياحة.

وشدد بلينكن في تصريحاته على أن الأسد ونظامه ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري. لكن معظم الحكومات العربية تتفق مع أبوظبي على أن الوقت قد حان لتطبيع العلاقات مع دمشق التي تسيطر الآن على 70% من الأراضي السورية. ومع ذلك، لا تزال قطر صامدة وقد أعربت عن أملها في أن توقف الدول الأخرى مساعيها للتطبيع.

ونظرا للعلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة والإمارات، فمن غير المرجح أن تتواصل أبوظبي مع الأسد في تحد لإدارة بايدن. لكن زيارة الدبلوماسي الإماراتي إلى دمشق بعد 3 أعوام من استئناف الإمارات للعلاقات الدبلوماسية مع سوريا أنهت فعليا عزلة نظام الأسد.

وتقول الإمارات إن نظام الأسد انتصر في الحرب الأهلية التي استمرت 10 أعوام وراح ضحيتها أكثر من نصف مليون سوري وتشرد بسببها 12 مليون آخرين، وإن الوقت قد حان للمضي قدما.

وتسعى أبوظبي بالفعل للانخراط في عملية إعادة الإعمار. وقد التقى وزيرا الاقتصاد الإماراتي والسوري الشهر الماضي في «دبي إكسبو 2020»، وبحثا سبل تعزيز التبادل التجاري وفرص الاستثمار في سوريا. والعام الماضي، استأنفت الإمارات الرحلات الجوية التجارية إلى سوريا.

• بشار الأسد يلتقي عبد الله بن زايد.. ومغردون: “أبوظبي تقف مع قاتل السوريين”

ومن المرجح أن يحذو المسؤولون العرب الآخرون حذو الإماراتيين في زيارة دمشق قبل القمة العربية المرتقبة في الجزائر في مارس/آذار المقبل. ومن المتوقع أن يناقشوا إنهاء المقاطعة العربية للنظام وإعادة قبول سوريا في جامعة الدول العربية. وفي اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول الماضي، التقى 9 وزراء خارجية عرب بدبلوماسيين سوريين. وكثيرا ما يلتقي المسؤولون العرب بضباط الجيش والأمن والاستخبارات السوريين، سرا وعلانية، بعد أن أصبح الحديث مع أعضاء النظام السوري ليس من المحرمات.

ويحرص الأسد نفسه أيضا على العودة إلى الحياة الطبيعية، بعد 10 أعوام من الحرب التي ألحقت خسائر فادحة بالبلد. وفي العام الماضي، أصدرت الولايات المتحدة «قانون قيصر»، الذي يفرض عقوبات على الدول التي تتعامل اقتصاديا مع النظام السوري. لكن يبدو أن أبوظبي مقتنعة بأن إدارة بايدن لا تعارض التطبيع، ربما جزئيا لأن نظام الأسد لم ينتقد اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل العام الماضي.

وتريد أبوظبي أن تلعب دورا رائدا في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب وتعتقد أن لديها ميزة في هذا الصدد على دول الشرق الأوسط الأخرى. وقبل انتفاضة 2011، دخلت الشركات الخاصة الإماراتية في شراكة مع الدائرة المقربة من الأسد واستثمرت 20 مليار دولار في سوريا.

وتعتقد أبوظبي أن التعاون الاقتصادي هو بوابة إعادة تأهيل الأسد سياسيا. وقد أعطت الولايات المتحدة تلميحات بأنها قد لا تعارض مثل هذا الجهد، فقد سمحت بنقل الغاز الطبيعي المصري إلى محطات توليد الكهرباء اللبنانية عبر خط الأنابيب العربي الذي يعبر سوريا.

إنهاء الحرب

ولا توجد رؤية استراتيجية حتى الآن حول كيفية إنهاء الصراع السوري. وخلقت المشاركة النشطة للأطراف الخارجية، وبالتحديد الولايات المتحدة وروسيا ولاعبين إقليميين مثل إيران وتركيا، موقفا معقدا للغاية لن يتم حله في أي وقت قريب.

وأدى إنشاء منطقة حكم ذاتي كردية في الشمال الشرقي من قبل وحدات حماية الشعب الكردية، إلى زيادة تعقيد الأزمة. واستنتجت معظم الدول العربية أن نظام الأسد لن يسقط بعد أن خسرت المعارضة معركة حلب عام 2017، وواصلت خسائرها عام 2018. ومنذ ذلك الحين، اعتقد البعض أنه سيكون من غير المجدي الاستمرار في مقاطعة دمشق.

علاوة على ذلك، لا تريد الإمارات أن ترى الحكومة المركزية تنهار تحت ضغط العقوبات الأمريكية، خاصة أن الفراغ السياسي الناتج عن ذلك قد يمثل فرصة للجماعات الإسلامية، وهو أمر غير مقبول لدى أبوظبي.

وهكذا اتفق الإماراتيون والنظام في نظرتهم لطريقة إنهاء الصراع السوري. ويرى الجانبان ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية التي دخلت البلاد بعد 2011، بما في ذلك القوات الأمريكية في قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا، والقوات الروسية في قاعدة حميميم الجوية التي بنتها موسكو عام 2015. ومع ذلك، يمكن لروسيا أن تحتفظ بقواتها في القاعدة البحرية في طرطوس، والتي تأسست عام 1971.

ولا يزال من السابق لأوانه الحديث عن المستقبل السياسي لسوريا، وهو ما ستتم مناقشته في محادثات فيينا بشأن الاتفاق النووي الإيراني. ومن المستحيل إعادة بناء نظام حكم مركزي. وستعود البلاد على الأرجح إلى الاتحاد الذي كانت عليه في الفترة 1922-1924، والذي أدخله الفرنسيون بعد موافقة عصبة الأمم على نظام الانتداب. وسيؤدي هذا الترتيب إلى تحقيق مطالب الأكراد بالحكم الذاتي.

وسيقدم إنهاء الصراع أيضا نظاما إقليميا جديدا. وتأمل الإمارات أن تلعب دورا رائدا هنا أيضا، كمنسق للعلاقات بين قوى الشرق الأوسط. وهذا أحد الأسباب التي دفعت الإمارات إلى توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل، وإقامة علاقات عمل جيدة مع إيران، والانفتاح على العمل مع تركيا.

فهم أهداف الإمارات

وتعد الإمارات الدولة الأكثر مرونة وواقعية في الشرق الأوسط، وإن كان لا يمكن التنبؤ بخطواتها في بعض الأحيان. وهذا واضح من نهجها ليس فقط في سوريا، ولكن أيضا في اليمن. وفي الآونة الأخيرة، انسحبت القوات اليمنية المدعومة من الإمارات فجأة من ساحل البحر الأحمر، على ما يبدو كجزء من صفقة مع الإيرانيين لإنهاء الصراع هناك. وفي عام 2019، سحبت الإمارات أيضا قواتها من البلاد؛ بدعوى أنها حققت هدفها العسكري.

أما النظام السوري فهو أقل اهتماما بالمحادثات السياسية في جنيف، وأكثر اهتماما باعتراف الدول العربية بشرعيته. لكن في كلتا الحالتين، لا تطالب الإمارات بإصلاحات سياسية خشية أن تثير دعوات للتغيير في أماكن أخرى في المنطقة. وتدرك الإمارات أيضا أن إعادة اندماج سوريا في النظام الإقليمي العربي ستكون عملية بطيئة.

وستبدأ العملية بضمان التدفق المستمر للمساعدات الإنسانية، ومن ثم عودة سوريا إلى المؤسسات العربية، والإفراج عن السجناء السياسيين، وحصر النشطاء المفقودين، وإعلان وقف إطلاق النار على مستوى البلاد.

ويدرك ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد استحالة أن تتخلى إيران عن وجودها في سوريا، لكن بعد انتهاء الحرب لن يكون نفوذها هناك بحاجة إلى التواجد العسكري. وخلال اتصال هاتفي العام الماضي، ناقش بن زايد مع الأسد ضرورة موازنة العلاقات مع إيران والدول العربية، لا سيما السعودية والإمارات.

وترى أبوظبي أنها إذا نجحت في إعادة تأهيل نظام الأسد وإنهاء الصراع السوري فإن ذلك سيجعلها أقوى قوة إقليمية عربية.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook