Friday, September 20, 2019
اخر المستجدات

دعابة ليست للضحك.. لنا شاهين


لنا شاهين

| طباعة | خ+ | خ-

خذوا الدعابة من افواه الروسيات في غزة ولكن وانتم في خضم الضحك من ما قد ترونه سذاجة الفكرة وربما ايضا ما قد تعتبرونه ركاكة في الصياغة اللغوية ، تذكروا انها دعابة ليست للضحك ..

” لأمر ما جدع قصير انفه ” قالتها ملكة تدمر بعد فوات الاوان ، لكن ما قالته الروسيات في غزة عن ضمها الى روسيا ، واضحك كل من سمعه او قرأه قد جاء في اوانه ، ولا احسبهن قد قلنه لاثارة الضحك فقط ، ولكنه قد قيل لأمر ما ، وخذوا في الحسبان ان الاوكرانيات في غزة يقال انهن قد اتبعن ما سمي بدعابة الروسيات بخطوة ملموسة على ارض الواقع وتقدمن بطلبات رسمية للحصول على جوازات سفر روسية وبالتالي استعادة جنسيتهن الروسية من جديد .

دعكم من نظرية المؤامرة التي قد توحي لكم بها هذه المقدمة ، فتلكم النسوة ابعد خلق الله عن التدخل في السياسة ناهيك عن اقحام انفسهن في محاولة لتغيير ، ليس فقط نظام الحكم في غزة ، بل وايضا اتجاه البوصلة المجتمعية والتاريخية والثقافية والدينية مئة وثمانين درجة كاملة ، وهو ما يعتبر بكل المقاييس اكثر سذاجة من فكرة ضم غزة الى روسيا ، ولكن لم لا نتوقف قليلا ونحاول ان ناخذ الامر بجدية ومن زاوية اوسع واوضح ، ولا نمر بالقضية مرور الكرام مكتفين بالضحك .

تطبيق قواعد المنطق على وضع غير منطقي يدخل القضية في مربع سفسطة لا عائد منها ولا جدوى ، فغزة لا يربطها بروسيا اي رابط من اي نوع حتى ولا مجرد تماس جغرافي مثلا ، ولكن هل شفعت لغزة واهلها كل روابط القربى والمواطنة والالتصاق بعمق الى حد التوأمة ، فضمنت او على الاقل سهلت الربط بينها وبين الشطر الثاني من ذات الوطن وذات الارض ؟! وهل كان الجوار والتمازج الازلي والتاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة واللغة والدين كافيا حتى لمجرد ضمان حرية الحركة بينها وبين الشقيقة مصر ؟!! الا ترون معي ان وصول الغزي الى روسيا اقرب للامكان من وصوله الى الضفة الغربية !! وانه اذا استطاع ان ينفذ من حدود الشقيقة مصر تتساوى عنده كل البلاد بشكل او بآخر ؟!

فلننحي حسابات الارقام والمسافات جانبا ونطرق صلب القضية ، ضم غزة الى روسيا او حتى انضمام غزة الى روسيا ، اي بكامل ارادة الغزيين وبطلب منهم ، لايعني بالضرورة ان تصبح غزة احد مكونات الاتحاد السوفيتي سابقا او الاتحاد الاوراسي ( الاقتصادي ) الذي تتجه روسيا اليه الان ، لكنه يمكن ان يكون ارتباطا بشكل ما يجعل غزة جزءا من شبكة المصالح الروسية التي تستميت في الدفاع عنها ضد اي قوة في هذا الكون مهما بلغت .

لاحظوا انني قد قفزت مباشرة وعن عمد الى المصالح ، اي ان الايديولجيات وخزعبلات الاخُوّة والصداقة والتاريخ المشترك والآلام والاحلام لم تسقط سهوا بل جُمعت واُلقي بها في اقرب سلة مهملات

اراكم قد نفد صبركم وتكادون تصيحون في وجهي ، اي مصالح هذه التي قد تثير اهتمام الروس بغزة الى حد الدفاع عنها ، او بتعبير اكثر دقة ، للدفاع عن مصالحهم فيها ، وربما تردفون بقولكم ان غزة هذه قاعا صفصفا ليس فيها الا الغم والهم والفقر والبطالة ..

لا بأس ، انا لا الومكم فكلنا ضحايا موروث عربي ضارب في القدم ومتجذر في باطن الشخصنة والسطحنة ، اي اخذ الامور من زاوية تمشيها مع المفهوم الشخصي وتسطيحها بحيث نضحك او نلطم ونولول او نغضب غضبتنا المضرية دون تدقيق في جوهر القضية

بيني وبينكم نفسي اشوف الغضبة المضرية هذه ولو مرة قبل ان اموت ، شريطة الا تكون موجهة للاخوة ولا تهتك حجاب الشمس وتسيل دمها بين اضلاع المربع العربي فقط

باسم يوسف في مقاله الشهير ” لماذا لا يهتم بوتين ” المنقول عن مقال الكاتب اليهودي ابن جوده ، اقام الدنيا ولم يقعدها بين متعاطف معه بشكل شخصي ، ومعارض شرس منتقد لوام وايضا بشكل شخصي ، اي ان القضية انحصرت في فعل الاقتباس او السرقة الادبية فقط ، ولم يتطرق احد الى مضمون المقال الذي تساوق بشكل واضح وطبيعي مع فكر كاتبه الاصلي في محاولته تأليب الرأي العام الامريكي والغربي عموما على القيادة الامريكية الحالية باظهار كم هي ضعيفة امام الروس مقارنة بقوة وحسم القيادات القديمة التي كانت عندما ( تَزْغُر للروس وتُكشّر في وجوههم ، يجيبو ورا ) حسب تعبير الدكتور باسم الذي استشهد على ذلك بأزمة قواعد الصواريخ الروسية في كوبا بداية ستينيات القرن الماضي .

انتبهوا الى ان مقال باسم يوسف لا يعنيني في شيئ الا كونه مدخلا لما اريد عرضه لكم

منتهى الاستهانة بعقول الناس ان يدعم الكاتب او المحاور رأيه بالاستشهاد بوقائع ثابتة يحفظها التاريخ عن ظهر قلب ويسهل الوصول اليها بلا اي عناء في زمن ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ، دون تأكده من مدى صحتها ، واذا كانت ترجمة باسم يوسف لمقال ابن جودة دقيقة فان الاخير يكون قد تجاهل الحقائق عن عمد ، فتلك الازمة الشهيرة لم تنتهي بأن الروس ( جابو ورا ) وعادوا من تلك المغامرة بخفي حنين او خفي خرتشوف زعيم روسيا القوي في ذلك الحين ، ولكن الروس قد حققوا منها كل ما كانوا يهدفون اليه كاملا غير منقوص ، وبكل صراحة ، الامريكان هم اللي جابو ورا

خلاصة الحكاية هي ان روسيا كانت مستفزة من نشر امريكا لصواريخ جوبيتر وثور البلاستية في بريطانيا وايطاليا وتركيا ، ما جعلها قادرة على ضرب روسيا بمئات الصواريخ النووية ومن على حدودها تقريبا ، وعندما لاحت الفرصة للروس وطلب فيدل كاسترو المصنف في مربع المعسكر الشيوعي الحماية الروسية ضد تهديدات امريكا باجتياح كوبا وقلب نظام الحكم فيها ، وهو ما تجسد على ارض الواقع في عملية خليج الخنازير الفاشلة ، لم يتردد خرتشوف في اغتنامها وبدأ في بناء قواعد صواريخ في كوبا التي تعتبر جارة للولايات المتحدة لا يفصلها عن سواحلها سوى ثمانين ميل من مياه البحر فقط

وباختصار انتهت الازمة بسحب الصواريخ الروسية ولكن في المقابل سحبت امريكا كل صواريخها الموجهة الى روسيا في الدول الحليفة ، وتعهدت بعدم التعرض الجدي لكاسترو ونظامه ووفت بتعهدها فآل كاسترو لايزالوا حتى يومنا هذا يتربعون على عرش دولة كوبا الشيوعية بعد ان تنازل فيدل لاخيه راؤول عن الحكم لاسباب صحية .

واقعة اخرى تثبت ان امريكا لم تكن تخيف روسيا حتى في زمن رؤوساء اعظم من كيندي كالرئيس ايزنهاور مثلا ، العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 توقف تماما بانذار روسي دفع الرئيس ايزنهاور الى الضغط المباشر على بريطانيا وفرنسا واسرائيل لوقف اطلاق النار والعودة من حيث اتوا تجنبا لمضاعفات الموقف الروسي الداعم لمصر التي كانت قد وقعت معها للتو اتفاقية تسليح وتدريب للجيش المصري ، بعد صفقة الاسلحة التشيكية

المختصر المفيد هو ان روسيا بالذات منذ كانت القوة الند لامريكا في السيطرة على العالم وحتى يومنا هذا اي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي معروفة باستقلالية قرارها وبان شورها من راسها ويدها تسبق لسانها عندما تتعرض مصالحها للخطر ، ولا تخشى في تحقيق او حماية مصالحها لومة لائم ، واذا خسرت مواجهة في العلن تكون قد كسبت اكثر واكبر منها في الخفاء ومن وراء الكواليس .

اراكم تتساءلون لماذا كل هذا الحماس والترويج للروس !! الواقع انه ليس حماسا ولا ترويجا قدر ماهو يأس واحباط فغزة قد اصبحت ملطشة لكل من هب ودب ، سنوات طوال وهي تتلقى الضرب من القريب قبل الغريب ولم يظهر لها صاحب حتى الان ، ولانه لم يعد في الامكان اسوأ مما كان فماذا يضير لو فكرنا في حلول غير تقليدية او غير منطقية ، او حتى ان نحلم حلما قد يكون نصفه كابوسا ونصفه الاخر هلوسة وهذيان

نحن نملك ، لاحظوا انني لم اقل تخيلو اننا نملك ، ثروات هائلة في بحر غزة تكفي باعتراف اسرائيل ذاتها لحل مشاكل القطاع الاقتصادية اضافة الى سد حاجته من الوقود والطاقة ثلاثين عاما على الاقل ، وبعدها بيحلها الحلال ، لكن المشكلة هي كيف يمكن ان نخلص هذه الثروة من براثن اسرائيل وقرصنتها ولصوصيتها التي تمارسها ضد قطاع غزة على مرأى من العالم كله وليس العرب فقط دون ان يحرك احد ساكنا

عندما اكتشفت حقول الغاز في بحر غزة في العام قبل الاخير من الالفية الثانية اوكلت السلطة الفلسطينية مهمة استغلالها لصندوق الاستثمار الفلسطيني ومعه شركة بريطانية ، يعني سلموا القط مفتاح الكرار ، فالشركة البريطانية لا تملك الا ان ” تجيب ورا ” لو ” زغرت ” لها اسرائيل ، اما صندوق الاستثمار الفلسطيني فلا تعليق .

قادة فلسطين بكافة اطيافهم كانوا ولا زالوا منشغلين عن هذه القضية الاستراتيجية الحيوية بقضايا يظنون انها اكثر اهمية ، ربما حسب اجنداتهم ، فلم نر محاولة واحدة يمكن ان توصف بالجادة ، ولم نسمع عن مجرد فكرة معقولة او غير معقولة لاستغلال هذه الثروة التي مل بحر غزة سكوتهم عليها حتى ظن انهم قد نسوها تماما لبعدها في عرض البحر فاخرجها لهم ثانية على مسافة مئتي متر من الشاطئ قبل بضعة اشهر ، واحسبه قد فعل ذلك كنوع من الدعابة غير المضحكة يستبق بها تصريحات رئيس وزراء السلطة الفلسطينية د. رامي الحمد لله بان فلسطين ستصبح منتجة ومصدرة للغاز بحلول عام 2017 ، والتي لايملك معها المرء الا ان يتساءل ما الذي تغير منذ اكتشاف الغاز عام 1998 حتى يصدر الحمد لله مثل هذا التصريح ؟!

فاسرائيل هي اسرائيل والسلطة لاتزال هي السلطة ، وشركة برتش جاز البريطانية لا تزال بريطانية ؟! بل ان اسرائيل قد زادت مشاركتها في هذه الملهاة المأساة الان باعلانها تعليق التعاون مع الفلسطينيين في مجال التنقيب عن الغاز قبالة سواحل غزة عقابا لهم على التوجه الى المنظمات الدولية ، وكأننا كنا طول هذه السنين ننعم بخيرات غازنا بفضل تعاون اسرائيل .

الانكى من ذلك ، كيف تتعاقد السلطة مع شركة اسرائيلية على تزويدها باحتياجاتها من الغاز لمدة عشرين سنة وهي تعلم بانها ستكون مصدرة له خلال ثلاثة اعوام فقط ؟!

ماذا لو ان دعابة روسيات غزة نحت منحى جادا ومنح اهل غزة او حكومتها او السلطة الفلسطينية ذاتها حق استغلال حقول الغاز البحرية لشركات روسية ، الا يكون منطقيا حينئذ ان تدافع روسيا عن مصالحها في غزة وترفع يد اسرائيل عن ثرواتنا المغتصبة من حقول غاز استولت عليها قسرا وتبيع ما تسرقه منها لاشقائنا في الضفة الغربية والاردن ، وغدا ستبيعه لعرب اخرين .

ربما تعتبرون هذا المقال برمته ضربا من السذاجة الفكرية ، وربما تغيرون رايكم فيه اذا علمتم انني استهدفت به محاولة للعصف الفكري ، ورغبة في التحرك باي اتجاه بدلا من ان نتسمر فوق الصليب .

وايضا ربما تعتبرون هذا الرأي دعابة اخرى ، وان فعلتم فلا تضحكوا ، فهي كدعابة روسيات غزة ليست للضحك.