Sunday, May 26, 2019
اخر المستجدات

غزة// مناوشات العسكرية واحتمالات توسيع المواجهة


| طباعة | خ+ | خ-

تختلف الآراء بشأن ما إذا كانت الاحتكاكات الجارية على الحدود مع قطاع غزة بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي المقاومة الفلسطينية ستقود إلى مواجهة واسعة أم لا.

فهناك من يعتقدون أن العد التنازلي للحرب الإسرائيلية المقبلة قد بدأ في حين هناك من يؤكدون أن لا مصلحة للطرفين في الانزلاق نحو الصدام الواسع.

وبغض النظر عن صحة هذا الموقف أو ذاك وهو ما يمكن العثور على أسانيد مؤيدة أو مناقضة له فإن كلمة السر في الواقع الراهن هي كلمة “معضلة”.

الإسرائيليون يكثرون هذه الأيام من وصف الواقع المحيط بالوضع في قطاع غزة بأنه يشير إلى المعضلة التي تعيشها حركة حماس والتي تتولى حكم وإدارة القطاع من جهة وإدارة العمل المقاوم بشكل رئيسي من جهة أخرى.

ويزداد الحديث عن معضلة حماس بسبب تراجع احتمالات المصالحة بين الفلسطينيين وتزايد الوضع المعيشي المأساوي في القطاع وتفاقم حالة الحصار التي يعانيها ما يقرب من مليونين من سكانه جراء السلوكيات الإسرائيلية وإغلاق معبر رفح.

وكثيراً ما تحدث إسرائيليون عن احتمال أن تكسر حماس الحصار بالنار وبطريقة شمشونية خصوصاً مع تكاثر الأحاديث عن قرب امتلاك الدولة العبرية تكنولوجيا اكتشاف الأنفاق ما يحيد هذا السلاح الاستراتيجي بيد حماس.

ولكن كان هناك أيضاً من تحدث عن أن التوقعات الإسرائيلية بانهيار حماس أو انتفاض الجمهور الغزي عليها لم يتحقق برغم مرور ما يقرب من عشر سنوات على سيطرتها على القطاع.

ويذهب بعض هؤلاء إلى القول بأن حماس خصوصاً والسكان في غزة عموماً أفلحوا في تطوير آليات استيعاب واحتمال تمكنهم من مواجهة آليات الحصار الإسرائيلية بطرق خلاقة.

ومن الجائز أن الحرب الأخيرة على غزة والتي يتساجل الإسرائيليون حتى الآن حول ما إذا كانت فشلاً أم نجاحاً أظهرت أن المعضلة ليست مجرد وصف لواقع ما تعانية حماس وسكان غزة وإنما هي أيضاً وصف لما تعانيه إسرائيل مع غزة.

فالحصار ليس فقط لم يحقق لإسرائيل ما كانت تتمنى وإنما خلق في القطاع أنماطاً من التحديات التي تقف الدولة العبرية أحياناً عاجزة عن تصورها.

ويمكن القول إن هذه التحديات أفلحت في تحويل القطاع من “منطقة ساقطة عسكرياً”، حسب التعبير الذي كان شديد الرواج في الماضي إلى شوكة حقيقية في خاصرة إسرائيل.

وقد أثبت صمود القطاع خلال واحد وخمسين يوماً في الحرب الأخيرة وتوجيهه الضربات الصاروخية إلى العمق الإسرائيلي طوال هذه الفترة معضلة الإسرائيلي في التعامل مع هذه المنطقة.

وليس صدفة أنه في الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة بدأت الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية تطالب بانتهاج سياسة مختلفة مع القطاع بعد أن ثبت فشل سياسة الخنق والحصار.

وصار هناك من يحاجج بأن السبب الأساس وراء نجاح سكان القطاع ومنظمات المقاومة فيه بتطوير قدرات للصمود والمواجهة يكمن في وصولهم لحالة إحساسهم بعدم امتلاك ما يخسرونه.

ولذلك فإن الجولة الحالية من الاحتكاكات ترافقت مع تقارير إسرائيلية تتحدث عن أن المجلس الوزاري المصغر سيبحث ولأول مرة جدياً في مسألة منح القطاع منفذاً بحرياً خاصاً.

صحيح أن التقارير الإسرائيلية لا تشير حتى الآن إلى وجود أغلبية في حكومة نتنياهو تؤيد مثل هذه الخطوة التي تواجه تعقيدات ليست فقط إسرائيلية ولكن هناك ميل أكبر من أي وقت مضى لمناقشة الأمر.

ويعرض بعض أنصار فكرة الميناء بين الوزراء الإسرائيليين أبعاداً سياسية هامة لها، بينها ترسيخ الانفصال بين الضفة والقطاع وخلق كيانين منفصلين في المصالح والجغرافيا وهو ما يثير مخاوف في أوساط فلسطينية عديدة.

لكن من المؤكد أن المخاوف من أثر الانفصال ليست لدى بعض الفلسطينيين أقوى من مخاوف أثر الموت البطيء الذي تعيشه الناس في القطاع جراء الانقطاع عن العالم.

وفي كل حال فإن المعضلة التي خلقتها إسرائيل لقطاع غزة بسكانه وقواه ترتد عليها بقوة لا تقل حدة بصورة المقاومة التي ترفض أن تتراجع أو تلين.

وواضح أن أحداث الأيام الأخيرة ظلت محصورة في نقاط معينة في شمال وجنوب القطاع ولم تقد إلى توسع رقعة الاشتباك ولم توقع كثيرا من الإصابات.

وهذا ما يعتبره المراقبون تصعيداً مدروساً ومواجهة تحت السيطرة، ولكن الجميع يتعامل معها من منطلق تجربة الماضي التي أفادت أن ما يفصل بين المدروس ومنفلت العقال شعرة.

ومثل هذه الشعرة أحياناً لا تتوفر في العلاقة بين إسرائيل والقطاع برغم نشوء ما يمكن اعتباره ردعاً متبادلاً ولو بشكل جزئي.

والواقع أن معظم المعلقين الإسرائيليين يتعاملون بحذر مع التقديرات المستقبلية بشأن وجهة التطورات. فكثيراً ما خابت ليس فقط تقديراتهم وإنما أيضاً تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية.

وهذا ما يشكل اليوم موضوع النقاش الساخن في إسرائيل بعد صدور تقرير مراقب الدولة عن أداء القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية في الحرب والذي تميز باختلاق الأكاذيب وإخفاء المعلومات لتغطية العجز والقصور والإخفاقات.

ومن المؤكد أن تجارب الماضي مع القطاع تدفع القيادة الإسرائيلية للتفكير عدة مرات قبل أن تقرر التصعيد في القطاع برغم الإعلانات المتكررة بأن مجابهة خطر الأنفاق يحتل المرتبة رقم واحد في سلم اهتمامات الجيش الإسرائيلي.