Thursday, October 17, 2019
اخر المستجدات

من ينقذ الفن في بلادي؟


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب / جواد بولس

لاستغاثة الفنان طعم من المرارة فريد، ونداءاته فرصة للبكاء النقي، كغيمة تشرّدها ريح عتيّة هوجاء. لم أتعرف على الممثل نورمان عيسى شخصيًا ولقائي الوحيد به كان من خلال مشاهدتي لبعض حلقات مسلسل “عمل عربي” والذي عرضته القناة الثانية الإسرائيلية واكتسب شهرةً لافتة راجت بين شقي السفرجلة، حتى غدا “أمجد” وهو صاحب الدور الذي جسّده نورمان، إنسانًا يستجلب على الشاشة، نار جميع مشاهديه من عرب ويهود، مصحوبةً، دومًا، بابتساماتهم المتدفقة بطبيعية ومثلها الدهشة، تمامًا، كما تعيش هذه الشخصية العربية/المستعربة حياتها، حينما تكون مطهّمة بدناديش واقعنا المبكي والمضحك في آن وكل أوان، وربما إلى أن يبيض الديك.
ومأساتنا ذات فصول
وأحداث هذا الفصل بدأت حين اعتذر نورمان عيسى عن مشاركته أعضاء الفرقة، الذين يعمل معهم، في عرض مسرحية على خشبة مسرح تابع لما يسمى “المجلس الاقليمي لغور الأردن” وهو مجلس مستوطنات يهودية مقامة على أراض فلسطينية محتلة في العام ١٩٦٧. أبدى مدير المسرح اليهودي تفهّمه لاملاءات ضمير فنان عربي لم يسمح له هامش إيمانه بالتآخي العربي اليهودي، الذي يمارسه فعلًا ويعمل من أجله ويكدح، بأن يعرض فنّا إنسانيًّا على أرض مغتصبة وأمام من يعتبرهم العالم مارقين وخارجين عن قانون الأمم وشرائعه.
وزيرة الثقافة الجديدة “خلنج” السيّدة ميري ريغف، لم تحتمل هذه النغنغة الفكرية الفارهة، فأطلقت نبالها، وهي التي تنام على قوسها ونشّابها، أبدًا، على طرف زفرة، وتوعدت أن تقطع مصادر ريّها عن مسرح يديره نورمان وزوجته في مدينة يافا، ليجف ويصير بيتًا للدمى، وعبرة لكل ذي ضمير فيّاض وصحوة واخزة.
ومسيرة فنانينا من دموع وحصى
فاليوم كانت الرقعة نورمان وقبله كان مسرح “الميدان” الحيفاوي الهدف ، فما زال  القيّمون على إدارته يواجهون، كلّما زعق طاووس على كتف جادة “بن غوريون”، تهديدات مسؤولين إسرائيليين يتوعدون بإغلاق المسرح أو وقف دعمه حتى الشلل، وآخر هذه الحملات كانت قبل أيام، حين تدخل وزير التربية والتعليم، نفتالي بينت، وقرر سحب مسرحية “الزمن الموازي”، التي يقدّمها مسرح الميدان، من سلة الدعم الوزارية، بذريعة أن الموضوع هو عن أسير أمني يقضي ثلاثة عقود من حياته وراء القضبان.
لن نسرد، في هذه المقالة، تاريخ قمع الفن والفنانين العرب في وطننا الصغير، فكلّهم، منذ البدايات وحتى أيّامنا، تكبّدوا كثيرًا وآسوا كما آسى”البؤساء” والحلّاجون؛ فمسارحنا عانت من سياسات رسمية عنصرية وملاحقات وميزانيات شحيحة وتكاد تكون معدومة، سلطاتنا المحلّية بعيدة عن هاجس الفن والإبداع، كبعد المجرّات عن أرضنا، وغير مهتمة بواجبها ودورها في بناء هويّات ثقافية وطنية حصينة، فضاءاتنا الثقافية، الضامرة أصلًا، تغزوها العتمة، وجيوش هولاكو وجانكيز خان تختال في شوارعنا وتؤكد أن نجاحًا هنا وهيمنة هناك، لن يكفيها إذا لم يفشل الآخرون جميعًا ويُسحقون، ومؤسساتنا المدنية، على قلّتها، “دُكننت” وأصابها داء القبيلة، فأمست تحن على عودها وأصبحت تقسو على من ليس مثلها ومنها، والبقية في صمود الفنانات وخيارات المبدعين، وبعضهم قبل نصيحة شاعر سالف مجرب قائل:
“إني يمان إذا لاقيت ذا يمن…. ومن معد إذا لاقيت عدناني”.
وحيفا من هناك بدأت،
فلقد ولد ونشأ نورمان عيسى في مدينة حيفا. صغيرًا، أحب بحرها، الحامل صولجان من ملح، وتعلم، يافعًا، من تراقص موجه، الذي لا ينام، لذة الحلم وتهدّج العروق، حتى إذا صار رجلًا صفعته كحبيبة تبكي على حضن أضاعها وعلى وطن. إنه سليل عائلة فلسطينية هجّرت من كفر برعم، قرية ما زال أهلها يشرقون بأمل العودة الصغيرة والعرب، إخوتهم بالدم والرضاعة، يغصّون  بالماء.
في حيفا، مدينة من دخان أسود وفجر مقطّع، بدأ نورمان، ككثيرين من  الشباب العرب، يتلمس طريقه إلى قمة كرمله، حتى قادته الصدفة إلى أحد المسارح،  فحمل صليبه ومضى من على تلك الخشبة في طريق من خل وحديد وغار. إنّها بلاد السمن والعسل، هكذا حكت الساحرة وروت الأسطورة، ونورمان، الذي من برعم، العروس التي ما زالت تنتظر قمرها يطل من طاقة الزمان، طفق يجني الشهرة والقلق والعرق، وبات كما صرّح في إحدى مقابلاته، يحلم بأن يصير غنيًا كي يحقق بعضًا من مشاريعه الجميلة.
“ما يمر علي يقترب من عملية ابتزاز غير منصفة”، صرخ نورمان الذي كاد يصير صانعًا لمرآته ولأحلامنا، وكتب على صفحته، مستغيثًا بهم وراجيًا: “لا تجبروني أن أتصرف ضد ضميري كي أواجه ذلك التهديد”، إنّه يخاطبهم بضمائرهم الغائبة، وكأنه يخاطب العدم والفضاء، تمامًا كما يخاطب ممثل كبير كبرياءه وأحلامه من على مسارح المجاز، فهو رغم الفاجعة، ما زال يؤمن بالدولة وقوانينها وبما تتيحه لكل انسان بأن يعبّر عن رأيه حرًا.
خاطبهم يا عزيزي ولا تيأس، حتى وإن صاروا أشباحًا ورماحا، فمثلك أنا، وأنت أخي بالخوف ورفيقي بالأمل والرمال؛ خاطبهم وإن كنت من آخر الضحايا، فنحن والسابقون، أولاد تلك المأساة، التي قبّلت جرحها يوم اصطحبك والدك للمرة الأولى إلى ما كان بيتكم في برعم وحينها ارتجفت؛ خَف وافصح عن القلق ولكن عِ أن بالبكاء وحده لا تبنى أمجادًا ولا تملأ مِعدًا؛ صِح ونبّه فإن الخطب فيما قالته “ريجف” ولم يعد كما قالته حذام!
من يحمي نورمان من العطش، ومن يبقيه على شاطئ الأحلام والسعادة؟ فقبله لوحق البكري حين نادى “جنين جنين”، بلقمة عيشه، وعيبت سناء لأنها أصرّت أن لا تطفأ لهب الحقيقة. هوجمت ميرا إذ صاحبت قيثارة ولم يغوها عود، وسليم ما زال يقاتل كي يحمي ضوء قنديله من بساطير جند السلطان، وعدنان مدير الميدان يؤكد “إن الحرب على مسرح الميدان هي حرب على الثقافة العربية والمسرح الفلسطيني..”.
من ينقذ الفن في بلادي؟ كافح يا ابن عيسى، فلولا الكراهية، ما كان للحب معنى، ولولا الظلم، يا ابن أبي، ما صار النجاح معجزةً والتقدم أضحى مفخرة، فتقدم ولا تهن، وانهر اليأس وردد:
“هزمتك يا موت الفنون جميعها”.