Monday, August 26, 2019
اخر المستجدات

هل تتخيل هذا العالم من دون المطر؟


هل تتخيل هذا العالم من دون المطر؟

| طباعة | خ+ | خ-

لا يمكن لأحد أن يتخيل العالم الذي نسكنه من دون أن يندّيه المطر، ولا الهواء الذي نتنشَّقه من دون أن تغسله قطراته، ولا السماء التي تظللنا من دون أن تمطر ربيعاً وشجراً وعشباً أخضر ووروداً فاتنة، ولا شوارع المدينة الملفوحة بِحَرّ الغبار من دون أن يغسلها ويلطِّفها المطر.

فالمطر نصيب العالم بأكمله، محرك الخصوبة أينما حلّ، جالب الخير أينما هطل… لذا تغلغل في كل أصناف الحياة، فكان الغالب في أجسامنا، باسطاً ماءه على ثلاثة أرباع الأرض. ومنذ فجر الإنسانية كان المطر مادة للتفكّر، وانتشرت في الثقافات مفاهيم وأفعالاً ندرك أولها ولا ندرك آخرها.

ونحن في البلدان العربية قد نكون من أحوج الناس إلى المطر. لذا كثيـراً ما صاحـت الصحراء عطشاً له، واستسقته المجتمعات، وتلقفته أفواه الناس بعشق ولهفة، فحمل معه تباشير ربيع الحياة، واستقبلت موسيقاه الآذان بطرب وشغف، وتدفأت به القلوب، وتطهرت النفوس.

ولما أردنا أن يكون للمطر مساحة في هذه المجلة، أعدّ أحمد بزّون بمشاركة فريق القافلة هذا الملف نافذةً نتطلع عبرها إلى المطر، ونستدل على أسراره، ونستجلي أثره في الشعر والأدب والسينما والفن التشكيلي والمعتقدات الشعبية واللغة، ونبحث عن سر رائحته عندما يكون بكراً، ونتتبع هطوله أمام أعيننا، وفي صدورنا.

الماء الذي في أجسامنا، والذي نستحم به، ونشربه، ويروي المزروعات التي نأكلها، وتتفجَّر به الأرض ينابيع وأنهاراً تصب في البحار… كله ينتج عن المطر، تلك الكلمة الخفيفة اللطيفة التي تحمل في معظم معانيها التفاؤل.

قال أحمد شوقي:

“الشوق عند اللقاء
كرائحة الأرض بعد المطر
لأن حياة الثرى بعض ماء
وتحيا القلوب ببعض البشر”

هكذا تبدو رائحة الأرض بعد المطرة الأولى مساوية للحُب، أو كأن هذه الرائحة تلامس وتراً حساساً فينا، أو ذكريات جميلة، لذا يعشقها كل مقيم على أرض تندر الأمطار فيها، أو تبشّر بموسم جديد من الزرع، بأخضر الحياة الآتي، بمدفأة ليالي الشتاء الباردة، أو بالسهرات التي تطوقها زخات المطر المديدة.

إنها المطرة الأولى، التي كانت تلاقيها الراقصات والراقصون في غابر العصور، ولما تزل تهز فينا مشاعر تختلط بين إرث الفرح الآتي من الأسلاف الذين كان المطر يساوي حياتهم كلها.

ولكنَّ للمطر وجهين. فإذا فاض على حاجته أغرق الحياة، وإذا تحوَّل إلى عواصف هوجاء ضرب الأخضر واليابس، وإذا جنّ سيله جرف البيوت وأهلها، وإذا استمرت السماء محتقنة به حلَّت الكآبة والغضب على الأرض.

ولأنَّ اللاوعي الإنساني يختزن كثيراً من الصور القاتمة عن المطر بدءاً بطوفان سيدنا نوح -عليه السلام-، وصولاً إلى ما تنقله إلينا وسائل الإعلام من حين لآخر عن فيضانات وأعاصير مهلكة ومدمِّرة، فإن صورة المطر في الوجدان ليســت زاهية بالمطلق. فحتى المزارع، الذي قد يكون في صورته التقليديـة أشد الناس حباً بالمطر وأكثرهم لهفة لهطوله، يخشى المطر إذا فاض عن الحاجة، أو إذا نزل في غير أيامه المعتادة.

نعم، قد يلحق المطر الفائض عن الحاجة كوارث ضخمة، وقد يكون مهلكـاً لبعض البشر في ظروف معيَّنة. ولكن كونه يدخل في صميم كل شيء حي، يحملنا على تناسي وجهه القاتم، فنعود بعد مواسم الجفاف ننتظره بشوق حبيباً عزيزاً على القلوب.
فمن وجهي المطر لا نبتغي إلا الحسن، المطر المعتدل الذي ننتظره بشوق في مواسمه السنوية.

——————————————————

رائحة الأرض الندية كانت سراً شاعرياً ولم تعد كذلك
هل رائحة الأرض عند المطرة الأولى بعد جفاف طويل هي حقيقة علمية؟

يقر العلماء أن أكثر من رائحة تترافق مع هطول الأمطار، لا سيما المطرة الأولى، تجعل الناس يشعرون بطيب الأرض، وبسعادة تغمرهم أمام مشهد المطر.

إن رائحة الأرض الندية، أو ما يسمى “بتريكور” (petrichor)، تنتج عن سقوط المطر على تربة جافة. و”بتريكور” تعني السائل الذي يتدفق في عروق أبطال الأساطير اليونانية، وقد أَطلق هذا الاسم عام 1964م عالمان أستراليان درسا روائح الطقس الرطب.

واكتشف العلماء لاحقاً أن فقاعات صغيرة تسمى الضبوب، تطفو على السطح المسامي للتربة عند هطول المطر. وهذه الضبوب تتفاعل مع البكتيريا والفيروسات التي لا تُرى بالعين المجردة، الموجودة بكثرة في التربة، فتتصاعد رائحة المطر التي تتكثف كلما كان هطول المطر خفيفاً ولطيفاً على الأرض. وبشكل أوضح، فإن الرائحة التي تتصاعد تسمى علمياً “جيوسمين”، وتنتج عن مخلفات “الاكتينوبكتيريا” التي تنتمي إلى “الفطريات الشريطية” وتستخدم في صناعة المضادات الحيوية.

ويضيف العلماء عنصراً آخر يتمثل بالزيوت العطرية التي تمتصها التربة من النباتات اليابسة في فترة الجفاف، فتختلط بالرائحة الصاعدة من التربة.

وتختلط مع هذه الرائحة أحياناً غازات أخرى من الأوزون؛ تنتج عن العواصف الرعدية، إذ يُمكن للبرق أن يشطر جزيئات الأكسجين والنتروجين الموجودة في الغلاف الجوي فينتج عن ذلك أكسيد النتريك الذي يتفاعل بدوره مع مواد أخرى، فينتج رائحة الأوزون التي قد تحملها الريح وسحبها إلينا من مناطق مجاورة.

كل ذلك يمكن أن ينطبق على بيئة سليمة، أما في المدن والمناطق المضروبة بالتلوث فيختلف الأمر، إذ إنها تشهد أمطاراً حمضية، أساسها عنصران هما النيتروجين والكبريت ومركباتهما الناتجة عن تلويث الإنسان للطبيعة، وعدم التزام الدول بالمعايير البيئية الدولية. وتنبعث مع هذه الأمطار الحمضية روائح مزعجة وينتج عنها ضرر مؤكد على النباتات والحيوانات المائية وبالتالي على الإنسان.

ولا بد من القول إن المطر في كل الأحوال يغسل الهواء من الغبار والروائح والغازات المضرة. ولذا فهو من أجمل الهدايا التي تهبنا إياها السماء، والمطرة الأولى عيد الفلاحين والرومانسيين والشعراء والذين يعيشون في مناطق جافة، وعيد الأرض، عيد التربة والأحلام الخضراء.

———————————————————

اختلاف معدَّلات الهَطْلُ عبر العالم
يبلغ المعدَّل العام للأمطار التي يتلقاها العالم حوالي 86 سم سنوياً. ولكن هذا المعدَّل ليس واحداً أينما كان.

فمن حيث كمية الهطول، ينقسم العالم إلى مناطق مختلفة. ففي بعض المناطق الاستوائية، مثل غرب إفريقيا وحوض الأمازون في أمريكا الجنوبية، تستمر الأمطار متقطعة طوال العام وبشكل يكاد يكون يومياً، إلى أن تصل إلى ما يزيد على 1000 سم سنوياً. وقد سجَّلت أكبر كمية أمطار في العالم في جبل وياليلي في جزر هاواي بالولايات المتحدة، حيث بلغ معدلها السنوي 1168 سم، لكن تقريراً آخر يقر بأن ولاية ميغالايا في الهند شهدت عام 1914م سقوط أمطار غزيرة بشكل يومي، وصنفت أكثر الأماكن مطراً على وجه الأرض، عندما بلغت نسبة الأمطار المتساقطة فيها 1186 سم.

أما الأقاليم المدارية قليلة الأمطار، فهي مثل شبه الجزيرة العربية وصحاري أستراليا، وشمال إفريقيا. وقد امتدت أطول فترة مسجلة لم تسقط فيها أمطار 14 عاماً في أريكا بتشيلي التي سجَّلت أقل معدَّل أمطار في العالم 0.76 سم في السنة. وفي بعض نواحي شمالي غرب الهند انحبس المطر تماماً لمدة ثماني سنوات متتالية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. ما دفع المدارس الابتدائية إلى تعليم ماهية المطر للأولاد الصغار ليتلافوا الصدمة النفسية عندما سيشاهدون المطر لأول مرة.

ولكن معدَّل الهطولات ليس هو ما يفصل بين المطر المُشتهى والمطر المثير للقلق والخوف، بل غزارته في مدد زمنية محدودة تُراوح بين الساعات المعدودة وبضعة أيام. إذ يمكن لهطول 10سم من المطر في 24 ساعة على بيئة حضرية، أو منطقة جبلية صخرية أن يؤدي إلى سيول كارثية. في حين أن هطول الكمية نفسها على مدى أسبوع فوق أرض ترابية أو رملية، لا يترك أثراً سلبياً يُذكر. وعلى شبكة الإنترنت عدة مواقع تحوي قوائم بأكبر الفيضانات التي حصلت عبر التاريخ نتيجة الأمطار الغزيرة، وبعضها حصد ملايين الأرواح دفعة واحدة كما حصل أكثر من مرة في الصين. كما أن الكوارث التي تتسبب بها الهطول التي تتجاوز معدَّلاتها المألوفة إلى حد كبير، لا تقتصر على السيول وأضرارها المباشرة، بل تشمل أيضاً المجاعات والأوبئة التي تنجم لاحقاً عنها.

————————————-

المطر في القرآن الكريم
ورد المطر باسمه هذا في القرآن الكريم في آيات عديدة، كما ورد معناه في آيات أخرى بأسماء ومفردات مختلفة مثل الغيث أو الماء النازل من السماء. ونجد أن كلمة المطر أو فعلها قد ذُكرت في بعض الآيات للإشارة إلى العقاب والإيلام لمن كفروا:

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (النمل: 58).

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84).

أما المطر كعطاء من السماء، فقد جاء في قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28).

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 21).

وفي هاتين الوظيفتين للمطر النازل من السماء: العقاب من جهة إن كان كثيراً وغزيراً أكثر من المستويات الطبيعية، والمطر المحيي للزرع والضرع إن كان معتدلاً، ما يؤكد على صحة صورته المزدوجة في الوجدان الإنساني الذي يشتهيه حيناً ويخشاه حيناً آخر.

———————————————

التفسيـر العلمي لألف باء الحياة
معلوم في الفيزياء أن المطر قطرات ماء تتساقط من الغيوم السابحة في السماء، ويحدث ذلك عندما تتحَّد قطيرات الماء الصغيرة في السُّحب. أما أشكال المطر فثلاثة، قطرات سائلة أو ثلج أو حبَّات بَرَد. هذا المعطى تعلمناه في الصفوف الابتدائية، وفي ألف باء الحياة.

أما تساقط الأمطار بأشكال ثلاثة فتفسره نظريتان علميتان:

الأولى، نظرية الاندماج، تقول إن الأمطار تنشأ من بخار ماء يرتفع من المحيطات وغيرها من المسطحات المائية بفعل حرارة الشمس والرياح. وعندما يصل إلى الغلاف الجوي، يبرد مع الهواء الرطب الدافئ الذي يحمله، ويثقل حتى يصل إلى درجة الندى. وكلما انخفضت درجة الحرارة دون نقطة الندى تكاثف بخار الماء على شكل رذاذ وشكّل السحب. على أن التكاثف يحوِّل البخار إلى جسيمات متناهية الصغر تسمى نويات التكاثف، وهي تتألَّف من الغبار وأملاح البحار والمحيطات، وبعض المواد الكيميائية المنبعثة من المصانع وعوادم السيارات. وعند التكاثف ترتفع حرارة السُّحب، مما يساعد على دفعها إلى أعلى، وبذلك تصبح أبـرد مما كانت عليه.

وتنطبق هذه النظرية على الأمطار المتكوَّنة فوق المحيطات والمناطق المدارية. وبناءً عليها، فإن مختلف أحجام قطرات الماء الأكبر تسقط بصورة أسرع من القطرات الأصغر منها، لكنها عندما تصطدم بالقطرات الأصغر حجماً تضمها إليها، ولهذا سميت هذه العملية الاندماج.

أما نظرية البلورات الثلجية فتفسر معظم مظاهر التساقط في المناطق المعتدلة. فعملية تكوُّن الأمطار بناءً على هذه النظرية، تُعدُّ أكثر شيوعاً من ظاهرة الاندماج؛ إذ تحدث عملية البلورات الثلجية في السُّحب التي تقل درجة حرارة الهواء فيها عن الصفر المئوي (درجة تجمد الماء). وفي معظم الحالات، تضم مثل هذه السحب قطرات من مياه فائقة البرودة، تبقى في حالة السيولة رغم تدني درجة حرارتها إلى ما دون الصفر المئوي. وتكون البلورات الثلجية في هذا النوع من السُّحب في شكل جسيمات مجهرية تدعى نويات الثلج. وتحتوي هذه النويات الثلجية على جسيمات متناهية الصغر من التربة، أو الرماد البركاني. وتتكوَّن البلورات الثلجية، عندما تتجمد القطرات فائقة البرودة على النويات الثلجية. فعندما تنخفض درجة الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر أو أقل، فإن قطرات الماء تتجمد من دون نويات الثلج. وتحت ظروف معينة، يمكن أن تتشكل البلورات الثلجية رأساً من بخار الماء. وفي هذه الحال يبدأ بخار الماء بالترسب على النويات الجليدية، من دون أن يمر بحالة السيولة. ويزداد حجم البلورات الثلجية التي تشكلت قرب القطرات الفائقة البرودة، وذلك عندما يترسب بخار الماء من السحابة على هذه البلورات. ونتيجة لسقوط البلورات من خلال السحابة، فمن الممكن اصطدامها وانضمامها مع غيرها من البلورات، أو مع القطرات فائقة البرودة. وعندما يصل وزن البلورة إلى حد لا يعود الهواء قادراً على حملها، تسقط من السحابة. ومثل هذه البلورات تصبح قطرات مطر، إذا مرت خلال طبقات هوائية تزيد درجة حرارتها على الصفر المئوي. وتقوم على أساس نظرية البلورات الثلجية تجارب الاستمطار الاصطناعي، أو ما يُدعى تطعيم السُّحُب.
وأن تكون كل السُّحُب مؤلفة من بخار الماء أو حبيبات الجلد أو الثلج، فهذا لا يعني أنها كلها ممطرة. فالسُّحب الممطرة هي في الغالب السُّحب المنخفضة، التي يقل ارتفاعها عن 2000 متر وتحديداً السحاب الركامي الطباقي الرمادي اللون الذي يؤدي إلى سقوط مطر معتدل، والسحاب الركامي المنخفض الذي يكون أبيض اللون ويؤدي إلى سقوط زخات غزيرة من المطر، والركام المزني الذي يشبه الجبال في ضخامته ويؤدي إلى هطول المطر والثلج والبرد، إضافة إلى بعض أنواع السُّحُب المتوسطة الارتفاع التي تتحوَّل إلى منخفضة عندما تتكثف إلى درجة تسمح بالهطول.

وتتفاوت قطرات المطر في أحجامها تفاوتاً كبيراً، كما تتفاوت في سرعة سقوطها، ويبدو شكل القطرات الصغيرة كروياً، أما القطرات الكبيرة فتتفلطح عند سقوطها.

——————————————

الاستمطار.. بين النجاح والشك في فعاليته
في شهر نوفمبر الماضي، أعلنت الصين عن مشروع جاهز لاستجلاب المطر والثلوج فوق مساحة تبلغ 1.6 مليون كيلومتر مربع، وذلك ببناء عشرات غرف الاحتراق على سفوح هضبة التيبت، تضخ جزيئات يوديد الفضة مباشرة باتجاه السحب. ويمثل هذا المشروع الطموح أضخم وأحدث الفصول في تاريخ الاستمطار الذي بدأ قبل أكثر من قرن من الزمن.

والاستمطار هو ممارسة تهدف إلى تحفيز الهطول المائي والثلجي من الغيوم، بواسطة بذرها بمواد مثل يوديد الفضة أو ثاني أكسيد الكربون المتجمد (الجليد الجاف) أو بعض المواد الأخرى التي تكثف جزيئات الماء في السحب أو تبرّدها فتسقط ماءً أو ثلجاً. وهو غير علم الهندسة المناخية، إذ إنه يقتصر على التعامل مع حالة الطقس على نطاق محلي محدود وبشكل مؤقت.

تاريخ الاستمطار

يعود الاستمطار كنظرية إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما أعلن العالم الإلماني- الأمريكي لويس غاتمان أن نثر ثاني أكسيد الكربون في الغيوم الكثيفة قد يجعلها تمطر. ولكن النظرية بقيت كذلك حتى أربعينيات القرن العشرين، عندما أكد صحتها عالما الكيمياء الأمريكيان شافر ولانغموير من خلال عدة اختبارات.
كانت الولايات المتحدة سبَّاقة إلى الاستمطار، وتبعها فوراً الاتحاد السوفياتي آنذاك. ولم يطل الوقت، حتى بدأت التجارب في بيئات مختلفة، مثل تلك التي رعتها الولايات المتحدة في المغرب وتايلند، أو الاتحاد السوفياتي في سوريا. ويقال أيضاً إن الولايات المتحدة استخدمت الاستمطار في ستينيات القرن الماضي خلال حرب فيتنام، لإعاقة تقدم آليات القوات المعادية. ولكن من دون أن تتأكد نتيجتها.

خلال السنوات العشرين الماضية، انتشرت تجارب الاستمطار في عشرات البلدان حول العالم التي تعاني من شح في المياه العذبة، بما في ذلك بعض الدول العربية.

ففي المملكة، وبعد تجارب ناجحة في منطقة عسير أجرتها مصلحة الأرصاد وحماية البيئة عام 2006م، توسعت التجارب في العام التالي لتطال مناطق الرياض وحائل والقصيم، وبعدها في عام 2008م في بعض المناطق الجنوبية من المملكة. وتعاونت الأرصاد على ذلك مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والمنظمة العالمية للأرصاد ومركز دراسات الغلاف الجوي الأمريكي وعدد من الجامعات السعودية والأجنبية.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعد تجارب متقطعة بدأت في تسعينيات القرن الماضي، تم إطلاق برنامج دائم للاستمطار في عام 2010م، يعتمد على أحدث التقنيات المتوفرة في العالم، وبنيت لهذه الغاية شبكة من 75 محطة لرصد أحوال الطقس، إضافة إلى الرادارات المتطورة اللازمة لها.

وبشكل عام، يمكن القول إن برامج الاستمطار صارت مألوفة وشائعة في القارات الخمس، بما فيها دول إفريقيا العطشى مثل السنغال وبوركينا فاسو، وحتى الأوروبية الغنية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. ولكن الصين التي بدأت عمليات الاستمطار في عام 2013م تبقى المنتج الأكبر بلا منافس قريب. إذ يُقدر إنتاجها السنوي من الأمطار الاصطناعية بنحو 55 مليار طن، وذلك قبل إطلاق برنامجها الطموح الذي أشرنا إليه في البداية.

نقاش حول جدواه

رغم ما يتردد عن نجاحات الاستمطار في بلدان عديدة، لا تزال فعاليته في إحداث تغييرات مهمة في معدلات الهطولات موضـع شك ونقـاش بين الخبراء، يغذي ذلك فشل عمليات الاستمطار في بعض الأحيـان من دون تفسير واضح ودقيق.

ففي عام 2003م، أصدر المجلس الوطني الأمريكي للبحوث تقريراً جاء فيه: “إن العلم غير قادر على القول بشكل مؤكد أي تقنيات بذر الغيوم هي الأكثر فاعلية، إن كانت لأي منها ذلك. فخلال السنوات الخمس والخمسين التي أعقبت بذر الغيوم للمرة الأولى، حققنا تقدماً كبيراً في فهم المعطيات المؤثرة في أحوال الطقس اليومية. ولكن لا إثبات علمي مقبول على حصول نتائج إيجابية كبيرة لبذر الغيوم”. وإلى ذلك، يقول عالم البيئة في جامعة ستانفورد: “أعتقد أنه بالإمكان عصر بعض نقاط المطر أو الثلج الإضافية من الغيوم الماطرة في بعض الأماكن وفي ظروف معينة. ولكن ذلك يختلف عن الحديث عن برامج تزعم زيادة الهطولات بمعدلات ملحوظة”.

ويفسر الخبراء تعاقب النجاح والفشل في الاستمطار بالأسباب نفسها التي تحول أحياناً بتوقع حالة الطقس بدقة على نطاق محلي ضيق. إذ يبقى كل شيء رهن معطيات تتغير محلياً باستمرار، ومؤثرات لم يصل علم الاستمطار إلى معرفتها بالكامل. ولذا تبقى صفة “التجربة” ملازمة لهذه الممارسة.

—————————————————

10 فبراير.. اليوم العالمي للمظلة
حكاية ألفي سنة من التطوير

نستظل باسمها، وكأن وظيفتها درء الظل فقط، في حين أن استعمالها الأكثر شيوعاً في العالم هو درء المطر.

ظاهرياً، قد تبدو المظلة مجرد أداة بسيطة مؤلفة من قطعة قماش قابلة للطي والفتح بواسطة قضبان رفيعة وصلبة تنزلق على محور من المعدن أو البلاستيك أو غير ذلك. ولكن هيهات أن يختصر ذلك سيرة هذا الابتكار العريق الذي ما فتئ يتطور ويتبدل منذ أكثر من ألفي سنة.

لا تاريخ محدَّد لظهور المظلة، ولكن المؤكد أنها كانت معروفة في مصر الفرعونية والصين وبلاد ما بين النهرين منذ أواسط الألف الأول قبل الميلاد، وكانت غير قابلة للطي، واستخدمت في الغالب للأبهة والدلالة على المكانة بتثبيتها فوق عربات الخيل، وربما لدرء الشمس كما يظهر من منحوتة جدارية في نينوى بالعراق، حيث كان حق استخدام المظلة محصوراً بالملك دون غيره، حسبما يقول المؤرخ أوستن لايارد.

أما أقدم نص ورد إلينا حول وظيفة المظلة في درء الشمس، فهو في الملحمة الشعرية الهندية المهابهاراتا، التي جاء فيها أنه لما تذمّرت رينوكا إلى زوجها من حر الشمس، أطلق زوجها سهماً باتجاه الشمس التي توسلت العفو عنها بإهداء رينوكا مظلة.

ولكن أول مظلة قابلة للطي ورد وصفها إلينا، تعود إلى القرن الميلادي الأول في الصين، ولكنها كانت أيضاً ذات قيمة تزيينية مثبتة فوق عربة خيل. غير أن سرعان ما تفشى استخدام المظلات بوصول هذا الابتكار إلى أوروبا فاستخدمه اليونانيون ثم الرومان والأوروبييون في القرون الوسطى، للوقاية من حر الشمس، من دون إشارات إلى الوقاية من المطر.

ولكن في أوروبا، يشكِّل المطر عائقاً أمام تحرك المشاة في المدن أكثر من الشمس. وهكذا، وفي فرنسا خلال أواسط القرن السابع عشر، بدأ طلي قماش المظلات الشمسية بطبقة من الشمع ينزلق عليها الماء، كي تصبح صالحة للاستخدام تحت المطر. وبعد الاسم التاريخي للمظلة في الفرنسية (Parasol) أي “ضد الشمس”، ظهرت مفردة جديدة (Parapluie) أي “ضد المطر”. ولكن التسمية الجديدة لم تدخل قاموس الأكاديمية الفرنسية إلا في عام 1728م، بعد أن شاعت على ألسنة الناس بفعل غلبة استخدام المظلات خلال الأيام الماطرة على استخدامها لدرء حر الشمس.

ظلت المظلات ذات وظيفتين في أوروبا حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وغالباً كانت المظلات الشمسية بيضاء أو ذات ألوان فاتحة، في حين أن السوداء منها كانت للمطر. ولأن العمران في المدن الحديثة والأبنية الشاهقة وفرت كثيراً من الظلال في الشوارع، راحت المظلات الشمسية تتقهقر أينما كان في العالم، بحيث إنها لم تعد رائجة اليوم إلا في بعض دول جنوب شرق آسيا وبلدان أمريكا الوسطى. أما المظلة الواقية من المطر فقد باتت من مستلزمات أي بيت في الريف كما في المدن، يشجِّع على اقتنائها دورها، وتدني أسعارها. ومعظم المظلات في العالم هي اليوم من صنع الصين، حتى ليقال إن في مدينة شانغيو وحدها ألف مصنع للمظلات.

والمدهش في تاريخ المظلة، هو أنها رغم بساطتها، كانت وما زالت تخضع للتطوير. فحتى عام 2008م، كان مكتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة قد سجل 3000 براءة اختراع صالحة تتعلق بصناعة المظلات. وقال مدير مصانع “توتس”، المنتج الأكبر للمظلات في أمريكا، إنه بات يرفض استقبال أي مقترح لتطوير “مثل هذه الأداة البسيطة، لأنه يصعب الإتيان بأفكار خاصة بصناعة المظلات لم يسبق طرحها”. ولكن ذلك لم يمنع الهولنديين، على سبيل المثال، من إجراء اختبارات على طراز جديد من المظلات يستطيع مقاومة رياح تبلغ سرعتها مئة كيلومتر في الساعة.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن يوم العاشر من فبراير هو “اليوم الوطني للمظلة” الذي يحتفى به عبر أرجاء العالم كما تزعم بعض المواقع الإلكترونية، ولكن الصور والفعاليات الموجودة على الشبكة تُظهر أن الاهتمام به هو من باب المرح، ويكاد ينحصر في الولايات المتحدة وكندا.

—————————————————

المطر في الشعر العربي “أي حزن يبعث المطر!”
لا يفاجئنا في شيء أن يكون المطر قد احتل مثل المساحة الشاسعة التي احتلها في الشعر العربي. فالمطر لابن الصحراء والمناطق الجافة يساوي الروح، وهو في المناطق الأخرى يجعل الحياة أكثر بهجة، بل إن تساقط المطر، على مهل أو بغـزارة، مشهـد شعـري رومانسي وتعبيـري وحالم. فالمطر رحمة الله لخلقه، وهو الخصب والخصوبة والنماء، ومصدر الرزق، والبلل الجميل.
فالشاعر يتطلع إلى السماء على أنها مصدر رزقه، يتساقط منها الزرع ويحيا بها الضرع، على هدي ما جاء في القرآن الكريم: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” (الذاريات: 22).

ولهذا لا نستغرب إذا رأينا الشاعر العربي يتخيل المطر مرة امرأة، وثانية سلطاناً، وثالثة غالياً غاب عن العين.

فالمطر في الشعر الجاهلي كان سراً من أسرار الوجود والحياة، ومحط تأمُّل وتفكّر. فحضوره خصب وغيابه جَدْب، من دونه تجف الشفاه والحياة معاً، وتجف القريحة والشعر أيضاً. لذا ساق الشاعر إبداعه في ذكره بتأنٍّ ورهافة، فوصف حركة المطر ولمعانه وصوته ورعده وبرقه، وحمَّله أجمل آيات الوصف، وسطر في مشاهده لآلئ الشعر.

يقول امرؤ القيس:
“هل تأرقان لبرق بت أرقبه
كما تكشَّف عنها البلق إجلالا”

ويقول الذبياني:
“أصاح ترى برقاً أريك وميضه
يضيء سناه عن ركام منضد”

ويلفت نظرنا وصف عبيد بن الأبرص البديع:
“يا من لبرق أبيت الليل أرقبه
من عارض كبياض الصبح لماح”

وينبئنا الشعراء الجاهليون بأن المطر يعدل مزاج الناس، فيعم الفرح إذا نزل وأطال، ويعم الخوف والتوتر والغضب والفقر والحر القاتل إذا انحبس.

ويختلف معنى المطر بين العصر الجاهلي والعصر العباسي الذي شهد وفرة في الحياة المتمركزة في مناطق أغنى بالمطر والمـاء وأخصـب. وصارت الطبيعة الخضراء أكثر اتساعاً من واحة، وجاذب الشعر أكثر من قطرة ماء، والحب أكثر من مطر امرأة، بل صار خاصب الشعر مطراً وصحواً، كما جاء في بيت أبي تمّام:
“مطر يــذوب الصحو منه وبعده
صحو يكاد من النضارة يمطر”

ويذكر الشريف الرضي المطر بارتياح تام:
“يُفاوِحُ النُعمى كَما
فاوَحَتِ الرَوضُ المَطَر”

وينقل المتنبي المطر إلى الضفة الأخرى من معناه، أي لحظة معركة حامية تمطر سيوفاً وسناناً:
“يَغشاهُمُ مَطَرُ السَّحابِ مُفَصَّلاً
بِمُثَقَّفٍ وَمُهَنَّدٍ وَسِنانِ”

ثم يعود إلى رقة المطر على وجه جميل:
“تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت
من مطرٍ برقه ثناياها”

ولم يخلُ شعر ابن الرومي وأبي نواس والبحتري وأبي العتاهية من طراوة المطر وقساوته. وقد سجلت الموسوعة الشعرية الصادرة عن “دائرة الثقافة والسياحة في أبو ظبي” 200 بيت شعر من العصر العباسي، ترد فيها مفردة المطر صريحة.

وعندما نصل إلى أحمد شوقي نقرأ:
“رُبَّ طِفلٍ بَرَّحَ البُؤسُ بِهِ
مُطِرَ الخَيرَ فَتِيّاً وَمَطَر”

ولنا محطة أساسية مع قصيدة السياب البديعة “أنشودة المطر”، حيث يدخل المطر لعبة الترميز إلى العطاء والخصوبة والأحزان التي كثيراً ما تسري في دم العراقيين وأشعارهم:
“مطر.. مطر..
أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع؟
بلا انتهاء، كالدَّم المراق، كالجياع
كالحبّ، كالأطفال، كالموتى هو المطر”.

هذا الحزن العراقي ذاب أيضاً في أمطار قصيدة نازك الملائكة “على وقع المطر” التي تكاد لم تغب كلمة المطر ومفرداته عن كل سطر فيها:
“أمطري، لا ترحمي طيفي في عمق الظلام
أمطري صبّي عليّ السيل، يا روح الغمام”

أما نزار قباني فيستحيل المطر معه ذكرى حبيبة، في قصيدته “حبيبتي والمطر”:
“أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي
فمنذ رحتِ وعندي عقدة المطر”

ثم في قصيدته “يا طفلة تحت المطر”. وكلما قلّبنا دفاتر الشعراء وجدنا صفحاتها مبللة بالمطر، كأن المطر فصلٌ من فصولها الأربعة، يتعامل معه كل شاعر بإحساس مختلف، شجناً وفرحاً، واقعاً وترميزاً، حتى إنّ نزار قباني تخيله مرة “حزباً” فانتمى إليه:
“لا تقولي: عُدْ إلى الشَّمس .. فإِنِّي أَنتمي الآنَ إلى حِزْبِ المَطَرْ”

ويرى مظفر النواب المطر ثورة:
“وأبشِّر أن الأمطار ستأتي
وستغسل من لوحتنا كل وجوه المهزومين”

وتدهشنا صورة الماغوط في شعرية المطر عندما يقول:
“ظالمٌ أنتَ يا حبيبي وعيناك سريران تحت المطر”

وفي نصوص الشعراء السوداويين يتحوَّل المطر الشفاف اللامع أسود قاتماً.
فمع الشاعر المصري فاروق جويدة يصير المطر مؤلماً:
“السقفُ ينزفُ فوقَ رأسي
والجدارُ يئنُّ من هول المطرْ”

ولا يختلف الأمر كثيراً في شعر سميح القاسم:
“وتُدمدم الأمطارُ أمطار الدم المهدوم في لغةٍ غريبهْ
(…) ويلاه من لون المطر“.

———————————————————

معجم ألفاظ المطر
179 مرادفاً

من الطبيعي أن تكثر الألفاظ العربية التي ترادف كلمة المطر، ذلك أن معظم الأراضي التي يعيش فيها العربي منذ نشوء لغته صحراوية جافة، تستصرخ قطرات المطر. وليس غريباً أن نجد قاموساً واسعاً من الألفاظ التي تصف المطر بدرجاته وهيئته وسرعته وطبيعة قطراته، فالتغني بالمطر والتعامل معه كحلم يتحقق من شأنهما أن يفجّرا اللغة، ويستحوذا على اهتمام صنّاعها وناحتيها وفلاسفتها والمدققين بمعانيها…

لذا وجدنا أن العرب استخدموا ألفاظاً واسعة مرادفة لكلمة “المطر”. وقد جمع الباحث العراقي صلاح مهدي جابر 179 مرادفاً لهذه الكلمة. لكن لم تعد حياة العرب اليوم كما كانت في غابر الزمان، ولم يعد العثور على نبع في الصحراء أشبه بالعثور على كنز ثمين، بعد تطور الحياة وتوفر الماء بوسائل شتى غير المطر، فلم يتبقَّ من الألفاظ المرادفة للمطر قيد التداول غير العشرات، والبقية تُعدُّ من الألفاظ المتروكة لبطون المعاجم.

ونختصر هنا بانتقاء 25 من الألفاظ التي جمعها الباحث من المعاجم وأمهات الكتب العربية، ونورد معانيها:

1. الأتيُّ والأتاوِيُّ: هو المطر الغزير الذي يحصل منه السيل.
2. البَدرِي: هو المطر ما كان قبل الشتاء.
3. البُعاقُ: المطر الذي لا شيء أشد منه.
4. البَغْرُ والبَغَرُ: الدفعة الشديدة من المطر.
5. البَغَشُ والبَغَشَةُ: المطر الضعيف الصغير القطر.
6. البَـوْ قُ والبُـوَقَةُ: الدفعة المتكررة من المطر.
7. الثّجيجُ: شدة انصباب المطر.
8. الثَّردُ: المطر الضعيف.
9. الجِلبَاب: هو المطر الكثير.
10. جَارُّ الضَّبُعِ: المطر ذو السيل الكثير الذي يخرج الضَّبُع من جُحرها.
11. الحَلبة: الدفعة الشديدة من المطر.
12. المُسْحَنْضِرُ: السيل الكثير من المطر.
13. الخَطْرَةُ: المطرة الضعيفة.
14. الدّجْنُ: المطر الكثير.
15. الدَّعْقَةُ: هي الدفعة الشديدة من المطر.
16. الدالِقة: هي المطرة السريعة.
17. الدِّيمة: المطر الذي يدوم مع سكون لا رعد فيه.
18. الرَمَضُ: هو المطر الذي يأتي بعد أن يشتد الحر.
19. السَّكْبُ: السَّكب هو الهطلانُ الدائم للمطر.
20. الطُّوفَانُ: المطر الذي يُغرق من كثرته.
21. الغـَدقُ: هو المطر الكثير العام.
22. القَطْرُ: وهو كل المطر ضعيفه وشديده.
23. الهَطلُ: مطر دائم مع سكون وضعف.
24. الهَمْرَة ُ: الدفعة من المطر.
25. الوَابِل: هو المطر الشديد ضخم القطرُ.

————————————————————

وظائفه الأدبية والسينمائية كثيرة ومتنوِّعة حتى التناقض
في الأدب، كما في الأفلام السينمائية، تشكِّل حالة الطقس جزءاً من مسرح الأحداث، سواء أكان هذا الطقس مشمساً حاراً أم معتدلاً أم عاصفاً ممطراً أم مثلجاً. ولكل حالة خطابها الخاص، وللطقس الماطر من بينها عدة خطابات مختلفة باختلاف غزارته ووقعه على محيطه.

ويمكن للذاكرة أن تستعيد عشرات الروايات والأفلام السينمائية التي تحمل في عنوانها اسم المطر، وتتراوح مكانة المطر فيها بين كونه يلعب دوراً رئيساً، أو مجرد استعارة لا علاقة لها بمعناه الحرفي. مثل رواية “الحب تحت المطر” لنجيب محفوظ، و”مطر حزيران” لجبور الدويهي، “قصر المطر” لممدوح عزام، و”بكاء تحت المطر” لقماشة العليان، و”المطر يكتب سيرته” لمرزاق بقطاش، و”عروس المطر” لبثينة العيسى.. وغير ذلك الكثير مما لا ينتهي تعداده في الأدب العربي وحده، واقتبست السينما كثيراً منه.

رمزيته لعلاقة الإنسان بالطبيعة

فالطقس العاصف والمطر الغزير المصحوب بالرعد والبرق غالباً ما يصاحب الأحداث الدرامية المتحركة بعنف، وذلك منذ أن كتب وليم شكسبير مسرحية “الملك لير”، حيث تتزامن ثورة غضب الملك ضد الطريقة التي تعامله بها بناته، مع غضب الطبيعة العاصفة والممطرة في الخارج، وفي ذلك مثل واضح عن وجود تشابك لا فكاك منه بين المشاعر الإنسانية وأوجه الطبيعة. ونجد الخطاب نفسه في عدد لا يحصى من الروايات والأفلام. ففي رائعة إميلي برونتي الكلاسيكية “مرتفعات وذرنغ”، وكل اقتباساتها السينمائية، تزامن خروج هيثكليف الغاضب من المرتفعات مع عاصفة رعدية عنيفة، بعد سماعه كاتي تقول إن زواجها منه سيحطّ من مكانتها. وعندما تلحق به كاتي تحت المطر وتبقى تناديه طوال الليل، تصاب بحمى كادت أن تقضي عليها. ويبلغ الربط بين هيثكليف والطقس الماطر ذروته عند العثور على جثته، وقد غسل المطر الوحول عن وجهه وعنقه.

وفي الأدب المعاصر، وفي بيئات مختلفة، يمكننا أن نجد استخدامات رمزية كثيرة للمطر وفق طبيعته الخاصة في هذه البيئة أو تلك. ففي رواية “مدراس في أيام مطيرة” للأديبة الهندية سامينا علي، يدور الشطر الأكبر من الرواية في حيدر أباد وليس في مدراس، وهو حول المفاهيم الثقافية الخاصة عند فتاة تدعى ليلى عاشت لفترة في أمريكا، ورغبت في الاستقرار نهائياً في الهند، فتقبل بزواج مدبّر من شاب يدعى سمير، وتسافر وإياه إلى مدراس لقضاء شهر العسل، حيث تكتشف أن زواجها من سمير محكوم بالفشل، وأنه أقرب إلى الأكذوبة. وفي مدراس (شيناي حالياً)، حيث المطر الموسمي يستمر لأيام بالوتيرة نفسها، ويشل الحركة في الشوارع الغارقة في السيول، ويزرع مناخاً كئيباً ومحبطاً في النفوس، تحاول ليلى البحث عن مخرج من ورطتها أو حل لمشكلتها الحياتية مع زوجها. فلا تتوصَّل إلَّا إلى “تفاهم” على شروط الإبقاء على هذا الزواج الشكلي، مما سيحرمها وإلى الأبد طعم السعادة، وكأن الخروج من واقعها تماماً هو باستحالة الخروج من مدراس في تلك الأيام.

الاستخدام نفسه للمطر كعائق طبيعي وكأداة للتعبير عن المزاج، نجده في كثير من الأفلام السينمائية، منها على سبيل المثال الفلم الياباني الشهير “الساموراي السبعة” لأكيرا كوراساوا (1954م)، الذي يدور كثير من مشاهده الأساسية تحت المطر المعبِّر عن المشاعر وتقلب الأحوال. كم تشارك الأمطار في حماوة المعارك في نهاية الفلم، فيسقط المحاربون عن خيولهم التي تنزلق على الوحول بفعل المطر، عدا عن أن دماء المعارك تختلط بالمياه الموحلة.

هذه المشاعر السلبية المتولدة عن الطقس الماطر هي الأكثر شيوعاً في الأدب والسينما. وتصل إلى حدها الأقصى في ما يسمى “الأفلام السوداء” وأفلام الرعب والتشويق حيث يتولى المطر العاصف عزل الضعفاء ويمنع وصول أي مساعدة إليهم، أو يحول دون خروجهم من مكامن الخطر. كما هو الحال في فلم “الحديقة الجوراسية” لستيفان سبيلبرغ، حيث يعقّد المطر والوحول محاولات هروب الناس من الديناصورات المفترسة.

الضّد يظهر حسنه الضّد

ولأن ربط المطر في الأدب والسينما بدلالات تطغى عليها المشاعر السلبية هو الغالب، كان لا بد لأي محاولة تعاكس ذلك من أن تحظى بالتفاتة خاصة صوبها. وهكذا، تحول فلم “الغناء تحت المطر” الذي أخرجه ومثل دور البطولة فيه جين كيلي عام 1952م، إلى واحد من الأفلام الكلاسيكية في تاريخ هوليود، وأشهر ما بقي في الذاكرة من هذا الفلم الأغنية المرحة التي تحمل عنوان الفلم نفسه، ويؤديها كيلي نفسه حاملاً مظلته تحت المطر في صورة عما كانت عليه هوليود في عشرينيات القرن الماضي.

واستعادت السينما في السنوات القليلة الماضية الفكرة نفسها، في الفلم الأمريكي “تقدم 2: الشوارع” (2008م)، حيث تؤدي مجموعة من الشبان رقصة هيب هوب تحت المطر في نهاية الفلم، كان خبط برك الماء بالأقدم من أجمل ما فيها من مؤثرات وصور. وبطبيعة الحال، لم تتأخر السينما الهندية عن استنساخ الفكرة نفسها والصور نفسها في فلم” أي كان يستطيع أن يرقص (2013م).

عندما يكون المطر بطل القصة

ومن الطبيعي أن يشكِّل المطر بحد ذاته محور بعض الأعمال الأدبيـة وأن يكون هو بطل بعض الأفلام السينمائية، مثل مجموعة الأفلام الأمريكية التي تعيد تصور الأعاصير التي تضرب تلك البلاد، والتي بدأت باكراً جداً بفلم “تورنادو” عام 1941م، ولم تنته بفلم يدور حول الظاهرة الطبيعية نفسها بعنوان “تويستر” (1996م). غير أننا ولضيق المجال، نتوقف هنا أمام مثلين ليس أكثر.

في عام 1986م، أخرج الفرنسي كلود بيري فلم “جان دي فلوريت” الذي شارك في كتابة قصته الأديب الفرنسي المرموق والمعروف عالمياً مارسيل بانيول. ورغم عنوانه الذي لا يمت إلى المطر بصلة، فإن كل هذا الفلم يدور حول المطر، أو الأصح أن نقول عن انتظار المطر الذي انحبس أكثر من المتوقع. فقصة هذا الفلم الذي أدى دور البطولة فيه ثلاثة من أشهر الممثلين الفرنسيين هم إيف مونتان، وجيرارد ديبارديو، ودانيال أوتاي، تدور حول ملكية زراعية في منطقة بروفانس الفرنسية متنازع عليها، ويمتلكها في النهاية شخص يدعى جان دي فلوريتن لا يعرف أن في الجوار ينبوع ماء سدّه بعض الطامحين إلى الاستيلاء على الأرض. فمن أين يأتي بالماء لري حقل الذرة وإرواء الأرانب؟ في انتظار المطر، يتحمل الرجل مشقة هائلة لنقل الماء من نبع يقع على مسافة كيلومترين، ويعود إلى انتظار المطر الذي يمثل أقوى مشاهد الفلم بالرجل يتطلع باستمرار إلى السماء التي بزرقتها وصفائها تثير اليأس في نفسه، وتارة يتفحص التربة التي تتحوَّل إلى غبار جاف يتطاير من بين أصابعه.

أما الفلم الثاني، وهو الأقرب زمنياً إلينا، فهو فلم “بعد يوم غد” الذي أخرجه رولاند إيميريتش عام 2004م، والمقتبس عن كتاب “العاصفة العالمية الكبرى المقبلة”. يدور هذا الفلم بأسره حول تبدل الأحوال الجوية بشكل كارثي نتيجة تغيرات تطرأ على تيار شمال المحيط الأطلسي، بحيث تغطي الثلوج معظم الشطر الشمالي من الكرة الأرضية، وتدفن مدناً بأكملها، ويمهد لذلك عدد من الظواهر المناخية القصوى وهطول مطر غزير يغرق شوارع المدن. غير أن أقوى مشاهد الفلم هي في الصقيع الذي يضرب مدينة نيويورك وتجمّدها بالمعنى الحرفي. صحيح أن الأمر غير ممكن علمياً، ولكنه يبقى واحداً من أجمل المشاهد التي صورتها السينما حول أي حال من أحوال الطقس.

————————————————

المطر في المعتقدات الشعبية
تصورت الشعوب الوثنية قديماً أن هناك إلهاً يصب الماء من إناء في السماء، وإن للريح إلهاً، وللشمس، وللقمر، وللنار، ولكل ظاهرة طبيعية يصعب تفسيرها… من هنا قامت الطقوس الشعبية مرتكزة على شكر آلهتهم إن أعطت والخشوع والتضرع لها إن تراجعت. وإذا استبد بهم الخوف قدَّموا لها القرابين ليمتصوا غضبها. فالأساطير كانت في رؤوس الناس كيفما اتجهوا في حياتهم، يمارسون الطقوس لتلبية حاجاتهم، ويتوارثونها جيلاً بعد جيل، ولم تندثر تماماً، حتى بعد اندثار الوثنيات التي أنجبتها، بل تحولت إلى فولكلور شعبي يشكل ذريعة لإقامة الاحتفالات العامة والاحتفاء والابتهاج.

وأهم ما يمكن أن يرتبط بالمطر بالنسبة إلى الأولين نلخصه في أمرين:

الأول، يرتكز على الاحتفال بقدومه، ويعبِّر عنه بالرقص غالباً تحت المطر، وهو طقس يعود إلى الإنسان البدائي الذي كان يعيش في مناطق قاحلة وجافة. وقد استمر هذا الطقس عابراً لكل العصور والأجيال، حتى إن الأمريكيين في مناطق الجفاف يرقصـون ليخبـروا الآلهة أن الذرة مزروعة وتحتاج إلى المطر، وقد اشتهرت عندهم رقصـة الثعبـان. ولا غرابة لو علمنا أن مجتمعات كثيرة، في يومنا هذا، لا تزال تخرج لملاقاة المطرة الأولى بالرقص والأهازيج.

الثاني، يتمثل بطقوس طلب المطر، وهي طقوس مستمرة منذ أمد طويل عند شعوب عديدة.

ففي الجاهلية، كان هناك طقس غريب لطلب المطر، يقول عنه الجاحظ: “كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا، وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها، وبين عراقيبها السَّلع، والعُشَر، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران. وضجّوا بالدعاء، والتضرّع”.

والأمريكيون في مناطق الجنوب الغربي الجافة أقاموا منذ آلاف السنين كثيراً من الطقوس الخاصة استجلاباً للمطر. وهذا ما فعله كل من يعدُّ المطر سر حياته. ففي زامبيا يمارس الوثنيون طقوساً لأشيك زوجة إله المطر الوثني دنغ. وعند الأمازيغ جاءت قدسية الماء من طبيعة الحياة القاسية التي يعيشونها في الصحراء، ولديهم عديد الأساطير من موروثات المرحلة الوثنية.

ومن أجل أن ينزل المطر كانت تقدّم القرابين في أكثر من مكان في العالم. قد تذبح الذبائح للتكفير عن الذنوب. وفي عدد من الحضارات القديمة كانوا يقدِّمون البشر قرابين. فالعروس التي تصنعها النساء في بعض المجتمعات اليوم من الخشب والقماش لطقوس طلب المطر، كانت عروساً حقيقية في العصور القديمة، مثل العروس “آغنجا” التي كان يقدِّمها الأمازيغ للإله الوثني “آنزار” قرباناً وطلباً للمطر. وأحياناً تستخدم طقوس مقابلة لإحباس المطر وتوقفه عندما يزيد على حده. وكان سكان إفريقيا، وما زال البعض منهم، يقوم برقصات لجلب المطر.

ولا بد من ذكر إله المطر والخصب الشهير “بعل” الذي استمر ذكره مع العصور الإغريقية والرومانية، وبعدها، ولا يزال فلاحون كثر في بلادنا تصنف الأرض بعلية ومروية، والبعلية نسبة لذلك الإله الوثني، أي إنها تعتمد على مياه الأمطار فقط.

ولكن كل هذه الطقوس القديمة تغيرت مع الوقت، وفقدت قيمتها مع التقدم وازدياد الوعي، ولكن الناس حافظوا على بعض أشكالها، كمجرد ممارسة فولكلورية لا مضمون حقيقي لها. وفي ما يأتي بعض المعتقدات التي سادت في العالم.

ففي “معجم الخرافات والمعتقدات الشعبية في أوروبا” للكاتبه بيار كانافاجيو نقرأ مثلاً:
“ينتظر المطر إذا:
التحم ملح الطعام كتلاً كبيرة،
تألفت حبوب القهوة كقطع ماسية سوداء،
خرج التبغ الذي أشعل من الغليون الذي ضغطناه فيه”.
وكان المكسيكيون يعتقدون أن “إله المطر تلالوك” يفضل ضحاياه من الأطفال.
وفي بلادنا معتقدات في المطر يمكن التوقف عند بعضها:

إذا أعقب هطول المطر ظهور ضباب كثيف فهذا دليل بأن الجو سيتحوَّل إلى مشمس ويتصالح البرد والدفء، وهذا يسمونه “عرس الثعلب”.

عندما يظهر قوس قزح مع المطر فإن من يستطيع المرور من تحته يتحوَّل إلى أنثى إن كان ذكراً، والعكس صحيح.

وفي بعض المجتمعات العربية يقولون: “سنة الفحول محول، وسنة البنات نبات”، أي إن السنة التي تكثر فيها ولادة الذكور تكون قليلة المطر، والعكس مع ولادة كثير من الإناث.

ويعتقد الأتراك أنه إذا نظر الكلب إلى القمر فهذا يعني أن الجو سيكون بارداً، وإذا نام الكلب على ظهره فهذا يعني أن المطر سينزل.

———————————————-

المطر في الفن التشكيلي لا يبلِّل الثياب
العلاقة بين المطر والفن التشكيلي قديمة جداً. بدأت منذ أن كان الإنسان البدائي يرسم حاجاته ومخاوفه على جدران الكهف، وصولاً إلى اللوحة التقليدية التي خرج بها الفنانون وصوروا مشاهد الطبيعة. وكان المطر عنصراً من اللوحات الرومانسية، والجلسات المطلة على حديقة، ثم حركة شوارع المدن. وقد استحوذت حركة المرأة مع مظلتها تحت المطر على اهتمام عديد من الرسامين في العالم، وعَبَرَ كل المدارس التشكيلية والتيارات والمراحل، حتى تحول معها أحياناً إلى مجرد إيقاع هندسي في اللوحة، أو موسيقى ألوان، أو ضربات تجريدية حرة.

بصرياً، يتسبب المطر بعاملين بالغي الأهمية بالنسبة للفناني التشكيليين. فمن جهة، يعني سقوط المطر أن السماء مكفهرة بالغيوم. وبالتالي، فإن ضوء الشمس محتجب والظلال كذلك. ومن جهة أخرى، فإن الماء المتساقط على الأرض يجعلها مختلفة جداً على صعيد اللون واللمعان. ولذا لا غرابة في أن تكون المدارس والتيارات الفنية الحديثة قد دفعت باهتمامها بالموضوعات الماطرة حتى أقصى حد ممكن.

فمن كنوز الفن التشكيلي التي يرد المطر في عنوانها، نذكر لوحة بيكاسو “فوفنارغ تحت المطر”، التي تمثل مشهد المطر في قرية صغيرة من جنوب فرنسا، وقبله مشهد آخر ماطر في لوحته “بواجيلو تحت المطر”. ولفان غوخ لوحان مطريتان: “حقل تحت المطر”، و”اوفير سور واز” اسم القرية القرية التي قضى فيها آخر أيامه، وأهداها انتحاره.

و”المظلات” هي لوحة زيتية للفنان أوغست رينوار، تطرح رؤيته الفنية الواقعية والانطباعية، وقد كان مشهد المظلات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يحتل الشوارع الأوروبية، ففرض نفسه على الفنانين.

ومن لوحات المطر رسم إدغار ديغا، وهو واحد من أساتذة الفترة الانطباعية، لوحة “جوكي تحت المطر”. أما مؤسس الحركة الانطباعية الفرنسية، كلود مونيه، فرسم “أثر المطر في بيل إيل”، وأظهر فيها “تأثير المطر” والبحر الغاضب، وهذا ما صوره أيضاً في لوحات أخرى شهيرة له.

والفنان الروسي الشهير فاسيلي كاندنسكي الذي لعب دوراً مهماً في تطوير الفن التجريدي، التفت أيضاً بأسلوبه الخاص إلى المطر، فصور مشهداً ماطراً بخطوط مبسطة تختصر حركة المطر. كما أن الفنان البلجيكي رينيه ماغريت، أب السورياليين البلجيكيين رسم بأسلوبه الغريب لوحة “غولكوندا” التي يصور فيها رجالاً يهطلون من السماء مثل قطرات المطر.

وبالكاميرا صور الفنان الروسي إدوارد غورديف المطر في شوارع موسكو، وعلقت حبيبات المطر على عدستها فخرجت الصور أشبه باللوحات التشكيلية وذا شخصية فوتوغرافية مختلفة تماماً. والواقع، أن المطر يعترض الفنان الأوروبي كيفما تحرك، بسبب احتلاله لمشهد الطبيعة أو مشهد الشارع والمدينة، في حين لا يبدو في المستوى نفسه عند الرسامين العرب الذين أقلوا في إبداع لوحات حول المطر. ومع ذلك فقد ظهر بعض هذه اللوحات عند عدد ممن صوروا الطبيعة. فالتشكيلي اليمني محمد صُوفان استنطق أثر المطر في الحس الإنساني، فتحولت لوحة المطر عنده إلى بصمة خاصة تركَّز عمله الفني عليها. ورسمت العراقية زينة سليم مجموعة من أعمالها حول مظلة المطر، وكذلك فعلت اللبنانية ريتا نخل. أما الأردني رفيق مجذوب فأقام معرضاً في بيروت تحت عنوان “المطر في داخلي”.

لكن ما يمكن أن نتوقف عنده هو أن “المطر في الشارقة لم يعد يبلل” هو محاكاة لعنوان “المطر في لندن لم يعد يبلِّل” الذي حملته صحف إنجليزية، عندما أقيمت في لندن تجربة تشكيلية مدهشة احتضنتها غاليري “باربيكان” للفنون، تحت عنوان “غرفة المطر”. فأنت تدخل غرفة واسعة يتساقط من سقفها مطر غزير، لكنك تمشي بين المطر من دون أن تبتلّ. وكان هذا العمل الفني قد عرض في الغاليري المذكورة عام 2012م، وانتقل إلى متحف الفن الحديث في نيويورك عام 2013م، ومتحف يوز في شنغهاي عام 2015م، ومتحف مقاطعـة لوس أنجلس للفنـون بين عامي 2015-2017م، ليستقر بشكل دائم وحصري في الشارقة، في نيسان الماضي، ببادرة من مؤسسة الشارقة للفنون.

يعكس هذا العمل الرقمي المعاصر العلاقة بين الإنسان والآلة، ويهتم بالتفاعل بين الذكاء الاصطناعي والجمهور. فأنت تمشي بالفعل تحت المطر، لكن المجسات الإلكترونية تحدِّد مكان وجودك بدقة وتمنع سقوط الماء عليك، فيتبعك الصحو كيفما تحركت في الغرفة، حتى إنك تستطيع أن ترقص تحت المطر بكامل أناقتك من دون خوف ولا وجل.