Sunday, November 17, 2019
اخر المستجدات

ورشة المنامة وحقيقة التفكير الأميركي


عبد المجيد سويلم

| طباعة | خ+ | خ-

عبد المجيد سويلم

إن كان هناك من فائدة تذكر لورشة المنامة فإن هذه الفائدة تكمن في أنها تعرفنا على حقيقة التفكير في البيت الأبيض.

ليس المقصود هو معرفة التفكير الأميركي على وجه العموم، وإنما حقيقة هذا التفكير في عهد الرئيس ترامب وفريقه.

القاعدة الرئيسية في تفكير البيت الأبيض اليوم هي خلق وقائع جديدة في كل معادلات الصراع الدولية والإقليمية، ومحاولة تكريس هذه الوقائع على حساب القانون الدولي والشرعية الدولية، إن لم نقل على أنقاضها وكبديل لها وعنها.

والذي أتى بترامب وفريقه إلى سدة البيت الأبيض هو أزمة الرأسمال الأميركي نفسه كيف؟

الاقتصاد الأميركي بالرغم من تفوقه الكبير، وبالرغم من أن الولايات المتحدة ربحت الحرب الباردة، وبالرغم أيضاً من التفوق المطلق وشبه المطلق للولايات المتحدة في الكثير الكثير من المجالات العلمية والتكنولوجية والعسكرية إلاّ أن هذا التفوق لا تقابله الدرجة المساوية له في مجال الإنتاج.

كما أن معدلات النمو في هذا الاقتصاد تآكلت في الحروب الخاسرة، وتراجعت بمقياس معدلات إعادة الإنتاج ومتطلبات التحديث المطلوبة لإحداث التراكم الرأسمالي المطلوب لمستويات النمو الضرورية الموازية للدور الاقتصادي المنوط بالولايات المتحدة كزعيمة وقائدة للمنظومة الرأسمالية.

أي أن هناك فجوة كبيرة تتسع بوتائر متسارعة ما بين الدور الكوني الكلّي وما بين حقيقة التطور الاقتصادي فيها تغطية الفجوة ممكنة فقط عن طريقين لا ثالث لهما:

فإما إحداث التراكم المطلوب على مستوى الإنتاج، أو استغلال النفوذ كفرض وقائع جديدة باللجوء إلى منطق القوة أو التهديد بها، أو استثمار النفوذ القائم بهدف خلق وقائع جديدة في نمط العلاقات الدولية ومعادلاتها للتعويض عن النقص القائم في الدورة الاقتصادية الأميركية.

ترامب وفريقه وصلوا إلى البيت الأبيض لإنجاز هذه المهمة على وجه الخصوص والتحديد.

النظام السياسي الوحيد في العالم الذي يدين بالولاء التام لهذا النظام ويشترك معه في أيديولوجية إنهاء الشرعية الدولية والقانون الدولي، والاستعاضة عنه بمنطق النفوذ والقوة والبلطجة هو النظام القائم في إسرائيل.

ولأن ترامب وفريقه يحتاجون إلى إسرائيل اليمينية المتطرفة والعنصرية المماثلة له والمتماهية معه بالكامل، من أجل إعادة انتخابه لولاية جديدة فقد كان نصيب الأسد من سياسات ترامب وفريقه لصالح إسرائيل، والتفاصيل هنا باتت معروفة ونستطيع أن نحدث هنا وأن نسترسل بلا حرج.

الموقف من وحدة أوروبا، والحرب على الصين وروسيا، والكثير الكثير من المواقف والسياسات على مستوى الاتفاقيات الدولية وعلى مستويات متشعبة من قوانين التجارة الدولية هي مجرد أمثلة على منظومة السياسات الأميركية في عهد ترامب وفريقه، والقوى السياسية والاقتصادية التي يعبر عن مصالحها بصورة مباشرة، وليس بالوساطة أو الوكالة عنها.

تحتاج الولايات المتحدة إلى الوسائل النقدية الضرورية لكي توظفها في محاولة “النهوض” بالدورة الاقتصادية الداخلية، لأن السوق الأميركية تمثل أكثر من 70% من الأسواق الكبيرة المستهلكة للخدمات والبضائع الأميركية، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن المحافظين الجدد من التيار الذي يمثله ترامب وفريقه (تيار نيو ليبرالي متوحش، وعنصري، وذو أبعاد شعبوية فاقعة) يدرك أنه دون الوسائل النقدية لن يتمكن الاقتصاد الأميركي من مواجهة الفقاعات الجديدة التي ربما ستكون أعنف بعشرات المرات من الفقاعة التي حدثت في العام 2008، وضربت الاقتصاد العالمي ضربةً موجعة.

الحديث المتواتر عن الصفقة والصفقات والنقد (الكاش) ليس صدفة وليس نزوة للرئيس ترامب، بقدر ما أن هذا الحديث هو بالضبط ما يعكس “الفكر” الترامبي إذا جاز التعبير وهذا الفكر بالذات، هو “سرّ” ما يطالب به ترامب من ضرورة دفع الأموال مقابل الحماية و”الجزية” مقابل الأمان.

لا يهم ترامب أن تعود هذه السياسات بالخراب الكامل بعد أقل من نصف عقد على الاقتصاد الأميركي والعالمي بقدر أن ما يهمه أن ينجح لفترة ثانية، لكي يستكمل مشروع إعادة التحكم الأميركي بالاقتصاد العالمي، بعد أن يضرب المنافسين في مقتل، كما يرى ويعتقد، ويعتقد مستشاروه وأعوانه.

الخيط أو بالأحرى الحبل الذي يربط بين ترامب وإسرائيل يكمن في أن اليمين الإسرائيلي له مصلحة صميمية وجوهرية في الانقلاب التام على الشرعية الدولية، وله مصلحة عميقة في تكريس الأمر الواقع المفروض بالقوة والبلطجة، وفي تحويل حقوق الشعب الفلسطيني إلى احتياجات إنسانية ومعيشية، وهي نفس النظرة، وهي نسخة طبق الأصل عن مشروع السلام الاقتصادي لنتنياهو، وهي نفس العقلية التي ترى في الحقوق الوطنية الفلسطينية مجرّد احتياجات وتدابير معيشية.

ولهذا فإن ورشة المنامة خطيرة إلى أبعد حدود الخطر من هذه الزاوية تحديداً، وقبل أي زاوية أخرى على أهميتها، بما في ذلك التطبيع والإمعان والتوغل في استراتيجية تغيير نظام أولويات النظام السياسي العربي وتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع ثانوي وهامشي وقابل للحل بالمقارنة مع الأولويات الجديدة.

وخطورة ورشة المنامة أنها تأتي كعملية استباقية لكي يتحول الحل “السياسي” إلى مجرد ملحق بهذا النهج الجديد. في الشق الاقتصادي أميركا على عجلة من أمرها لأن النظام العالمي لم ينضج بعد، ولم يُقم مؤسساته الجديدة المتكاملة للتصدي الحازم والرادع لهذه السياسات.

ليست مهمة الأرقام التي يتحدث عنها كوشنير، وهي تنطوي على مخادعات مفضوحة، وليس مهماً الخطاب السياسي الذي ستغلق به الصفقة الاقتصادية، لأن المهم أن ينطلق مسار الحل الاقتصادي، حتى وإن توقف عند أول محطة!

فهل يدرك العرب المشاركون والحاضرون المتحمسون والمتحفظون خطورة ورشة المنامة؟