الخميس 02 / فبراير / 2023

وزارة الإعلام ونقابة الصحفيين في مأزق جديد

د. خالد علي القيق

رغم أن القائمين علي وزارة الإعلام ونقابة الصحفيين أغلبهم إعلاميون من حملة الشهادات الجامعية العليا ولديهم الرغبة في تطوير العمل الإعلامي في فلسطين وتوفير الأجواء المناسبة للصحفي لأداء عمله بأمان وحرية إلا أن الظروف الحالية (الانقسام) كانت عائقا أمامهما في تحقيق أي أنجاز للصحفيين بل أن هذه الظروف وضعتهم في موقع الاتهام في كثيرا من الأحيان من قبل الصحفيين عند حدوث أي مشكلة قانونية لأي صحفي مثل الاعتقال أو التعرض للضرب أو الفصل من العمل أو إغلاق المؤسسات الإعلامية، فغياب التشريعات القانونية الحديثة المنظمة للعمل الإعلامي جعل مما ذكرنا سابقا يعملون مثل فريق من لجان الإصلاح (المخاتير والوجهاء) التي تحاول حل المشاكل العائلية بعيدا عن القانون وذلك لخطورة تطبيق القانون علي أطراف النزاع وحتى نكون منصفين فهؤلاء ليس لهم ذنبا في ذلك فهم ورثوا مما سبقهم آرث ملئ بالمشاكل القانونية ومنها عدم إصدار قانون بإنشاء نقابة الصحفيين من المجلس التشريعي تشارك به كل أطراف العمل الإعلامي مع لجان المجلس التشريعي ومشاركة خبراء ومستشارين قانونين في العمل الإعلامي (النقابة أنشئت بقرار من الرئيس ياسر عرفات) كما ورثوا قانونا للمطبوعات يعتريه القدم والأخطاء والنواقص وملئ بالقيود وعدم مواكبته التقدم والحداثة في العمل الإعلامي والأخطر مما سبق قوانين العقوبات القديمة المطبقة في فلسطين والذي أطلق عليهما دوما الوصف التالي (قوانين جرائم النشر والإعلام) وذلك لكثرة الجرائم الصحفية المنصوص عليها في هذه القوانين فالمشرع جرم فيهما كل قول وفعل صادر عن الصحفي والتي لا داعي لها في ظل مجتمع يسعى للعيش بأجواء الحرية وحكم القانون، أما بالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية الجديد فهو أيضا لم ينص علي أي أحكام خاصة للصحفيين
أما السبب الأخر هو الجامعات الفلسطينية والتي تتسارع فيما بينها في فتح الكليات بدون دراسات معمقة وغياب الرقابة السليمة وذلك سعيا وراء الربح المادي ومن هذه الكليات كلية الصحافة والإعلام أو الاتصال والإعلام فمثلا الدراسة العملية في كليات الإعلام في الدول الغربية هي السمة الغالبة في فترة الدراسة حيث تمثل ما نسبته 90% من فترة الدراسة في الكلية للطالب وهذا عكس ما هو معمول به لدينا، ثانيا لا يمكن الموافقة من قبل وزارة التعليم بهذه الدول الغربية علي افتتاح كلية أو قسم آلا ضمن شروط محددة ومن ضمنها المحاضر المتخصص لأي مساق ضمن خطة الكلية ووجود الكتاب الملائم للمساق وليس كما هو معمول لدينا أسم مساق ولكن بدون كتاب ولا متخصص وحتى لا نتشعب كثيرا في مشاكل الجامعات أضرب مثلا يخص ما نحن فيه فمثلا مادة التشريعات الإعلامية التي تدرس في كليات الإعلام والتي تعد من أهم المساقات كونها تبين حقوق الصحفي وواجباته وتبين له النشر المسموح به من النشر المجرم أثناء ممارسته لمهنته حتى يتجنب تجاوز حدود حرية الصحافة هذا المساق يدرس في أغلب الجامعات من محاضر إعلامي والأصح والمفترض أن يكون محاضر قانوني متخصص في القوانين الإعلامية وللعلم أن التقدم والرقي في المجتمعات الغربية أساسه التخصص الدقيق في كل المجالات أن كنا بصدد الدراسة في كلية الطب أو الهندسة أو القانون ولذلك تجد أشهر المؤسسات القانونية في أوروبا متخصصة في موضوع محدد في قانون معين فمثلا نجد أن أشهر مؤسسة قانونية في بريطانيا متخصصة في جرائم التشهير (القذف والسب) وهي جزء من جرائم الصحافة ، وجرائم الصحافة جزء من القانون الجنائي ولذلك لا يصلح أي قانوني لتدريس هذه المادة فلا يجوز أن يدرس هذه المادة محاضر متخصص في القانون المدني أو الإداري وذلك مثل الطب فأنه لا يجوز للطبيب المتخصص في طب العظام أن يدرس مساق له علاقة في طب العيون أو الأعصاب
وهنا يثار السؤال هل يعقل أن تدرس مادة التشريعات من محاضر حاصل علي شهادة اللغة العربية والإعلام؟
ثانيا / الكتاب الذي يدرس في كليات الإعلام والذي يخص مادة التشريعات كتاب مصري لدكتورة متخصصة في الإعلام والمادة العلمية التي يحتويها الكتاب تتعلق بالشأن المصري أن كانت قانونية أو غيرها كما أن القانون التي تتناوله هذه الدكتورة أغلبه ألغي من قبل المشرع المصري.
والسؤال الذي يثار هل القانون المعمول به في المحاكم الفلسطينية هو القانون المصري أم الفلسطيني، بالطبع فلسطيني وهل الصحفي الذي أنهى دراسته من هذه الكليات يعمل في مصر أم في فلسطين بالطبع في فلسطين ولذلك كان من الطبيعي وجود صحفيين بدون ثقافة قانونية مما ساعد في تفاقم المشكلة وليس في حلها ومن الطبيعي بعد ذلك أن يجهل البعض منهم ما هي حقوقه التي يجب أن يطالب بها حتى يستطيع أداء مهنته في حرية وأمان ليخدم المجتمع ويساعد في نشر حكم القانون والقضاء علي الفساد والانحراف والمساعدة في التنمية الاقتصادية ، أن عدم وجود صحافة ذو ثقافة قانونية من الطبيعي أن يكون لدينا صحافة ضعيفة فالصحفي الناجح هو ذو الخلفية القانونية فالخط الفاصل بين القذف والنقد المباح مثل سمك الشعرة فكيف سيتم معرفة هذا الخط الفاصل من قبل الصحفي في ظل ما هو معمول به في كليات الإعلام
يمكننا القول باختصار أن لدينا قوانين غير كافية لتنظيم هذه المهنة وتقويتها وإفساح المجال أمامها للعمل كما أن الأغلبية من الصحفيين بدون ثقافة قانونية كل ذلك كان سببا في وجود الحرج والعثرات أمام وزارة الإعلام والنقابة وتوجيه التهم لها بالتقصير أن كان من قبل الصحفيين أو المؤسسات الدولية المهتمة في حرية الصحافة
القادم أصعب وسوف يتسبب في إحراج وزارة الإعلام والنقابة وذلك بسبب بداية انتشار ما يعرف بالصحافة الاستقصائية
بداية أسجل موقفي والذي يؤيد وجود الصحافة الاستقصائية في مجتمعنا لأنها باختصار الصحافة التي تستطيع كشف المستور أو الأمور الخفية والتي أخفاها عمدا شخص ذو منصب في سلطة أو اختفت صدفة خلف ركام فوضوي من الحقائق والظروف التي أصبح من الصعب فهمها وتتطلب استخدام مصادر معلومات ووثائق سرية وعلنية، وذلك من أجل المساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون، والتغطية الاستقصائية تختلف عن التغطية الإخبارية التقليدية بصورة عامة حيث تعتمد الأخيرة علي مواد ومعلومات وفرها آخرون من الشرطة أو الحكومات والشركات العامة والخاصة إلي أخره ولكن التغطية الاستقصائية فهي تعتمد علي مواد جمعت أو استقيت من الإعلامي، ولذلك لا يخلو أي تحقيق استقصائي جاد من زاوية قانونية كون الصحافة الاستقصائية تركز بوجه خاص علي أمور غامضة معقدة لها علاقة بالفساد والإهمال والانحراف وفي سبيل الوصول إلي المعلومات تطبق أدوات وأساليب لا تتمتع بالشفافية القانونية ولذلك التحدي الأكبر للصحفي من أجل الحصول علي تحقيق استقصائي أو سبق صحفي هو عدم تجاوز القانون أو التخلي عن الأخلاق وهذا يتطلب ثقافة قانونية حادة ومميزة وقراءة متأنية لمعطيات التحقيق وتوثيقا لا لبس فيه للمعلومة وصياغة دقيقة للكلمات والعبارات.
أن أهم المناقشات التي دارت وتدور بين خبراء الإعلام والقانون المهتمين بالعمل الصحفي حول أخلاقيات التحقيق الاستقصائي والمنهج المستخدم من قبل الصحفي بمعنى هل هناك أسلوب صالح للكشف عن التصرفات الخاطئة وهل يعتبر اللجوء إلي الخداع شرعيا عندما يهدف الصحفي الوصول للحقيقية وكشف الفساد وهل يمكن تبرير أسلوب معين مثل انتحال هويات مزيفة إذا أحالت ظروف العمل والصعوبات الوصول للمعلومة من أجل الكشف عن الحقيقة للجمهور
أذن أستطيع القول ( أن النقاش والاختلاف الذي سوف يدور بين الوسط الإعلامي والقانوني وأجهزة السلطة هي الطبيعة القانونية للطرق التي أستخدمها الصحفي للوصول للمعلومة)
ملاحظة هامة/ أود أشير إليها وهي أن القوانين المنظمة للعمل الصحفي في فلسطين أو ما يطلق عليها التشريعات الإعلامية والتي تدرس أيضا لطلبة الإعلام تفتقد إلي الكثير من النصوص التي ممكن الرجوع إليها في حالة اعتبار الصحفي المستقصي تجاوز حدوده القانونية فهذه القوانين تبين الأقوال أو الكتابات والمقالات التي تعتبر جريمة والتي تقع بواسطة وسائل النشر والإعلام ولكنها لا تبين الأحكام المتعلقة بالطرق المستخدمة في الوصول للمعلومة آلا القليل منها وهي منتشرة ومتفرقة في النصوص القانونية يصعب الوصول إليها من قبل قانوني أن كان قاضي أو عضو نيابة أو محامي أو صحفي فهي تحتاج لقانوني خبير في قوانين العمل الصحفي ولديه ثقافة قانونية عالية تتجاوز قوانين الصحافة لتشمل كل القوانين لأن الطرق التي سوف يستخدمها الصحفيون ستكون متنوعة ومختلفة فكلا منهم سيكون له منهج وطريقة في إجراء التحقيق الاستقصائي.
الصحافة الاستقصائية بدأت تنتشر كمادة تدريبية وتعليمية وقد تلقفتها مؤسسات المجتمع المدني والتي بدأت في عمل الورش والدورات بشأنها وهذا يحتاج إلي إجراء تحقيق استقصائي من المتدربين، كما أن بعض الكليات أدرجت مساقا تعليميا حول الصحافة الاستقصائية في المنهج للفصل الثاني من هذه السنة وسوف يتم من قبل المدرس تكليف الطلبة بإجراء تحقيقات استقصائية وهذا يعني أننا خلال أيام سنكون أمام عددا كبيرا من التحقيقات الاستقصائية وبروز العديد من المشاكل
السؤال الذي يثار هل وزارة الإعلام والنقابة لديهما القدرة علي تغطية النقص التشريعي ومتابعة المشاكل القانونية التي ستثار؟ وهل وزارة الإعلام ونقابة الصحفيين ستتدخل لدى وزارة التعليم العالي لفرض مساقات تعليمية كفيلة بزيادة الوعي القانوني للصحفي حتى لا يتجاوز القانون وفرض محاضرين متخصصين في العمل الإعلامي؟ هذا ما نود معرفته من قبل وزارة الإعلام ونقابة الصحفيين.

* خبير في قضايا النشر والإعلام

للدخول إلى رابط التسجيل للحصول على مساعدة من المنظمات والجمعيات الأهلية: (مــن هــنــا)

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on vk
Share on whatsapp
Share on skype
Share on email
Share on tumblr
Share on linkedin

زوارنا يتصفحون الآن