كشف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، روبرت ساتلوف، عن كواليس ردة فعل محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والمسؤولين السعوديين على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
واعتبر الكاتب والصحفي الأمريكي ساتلوف في مقال له بمجلة فورين بوليسي، نشر يوم 14 ديسمبر 2017، أن السعودية تُعَد مكاناً جيداً للحكم على التأثير الذي أحدثه اعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمةً لإسرائيل في المصالح الأمريكية في المنطقة.
لكنه فوجيء بأن بن سلمان أكَّد خلال حديثه معه مِراراً متانة الشراكة الأمنية بين السعودية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، التي أشار بفخرٍ إلى أنَّها الأقدم في المنطقة، بل أقدم حتى من العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى أنَّ أولئك الذين تنبؤوا بأن خطورة ردة فعل العرب والمسلمين على خطوة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل كارثية، “كانوا مخطئين تماماً”.
وتوقع ساتلوف ردات الفعل من الأردن والسلطة الفلسطينية؛ بحكم قربهما من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن السؤال الحقيقي هو كيف سيكون رد فعل أصدقاء أمريكا الذين يقفون خطوة أبعد من دائرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ وإذا كان ثمة مكان يمكن أن نتوقع منطقياً أن نسمع المسلمين يعبّرون فيه عن غضبهم الرهيب لتسليم القدس لليهود، سيكون في أروقة السلطة بالعاصمة السعودية الرياض. ويجيب الكاتب الأمريكي قائلاً: “لكنَّ شيئاً من هذا لم يحدث”.
وفي الرياض وعلى رأس وفدٍ يضم أكثر من 50 داعماً وزميلاً في مركزه البحثي، وقبل ساعات قليلة من إعلان ترامب قراره بشأن القدس، يقول الكاتب الأمريكي إنه أمضى 5 ساعات في اجتماعات مع ثلاثة وزراء سعوديين، نوقشت فيها الأزمات مع اليمن وقطر ولبنان، وبرنامج “رؤية 2030” في المملكة، وحتى الطرح العام المُحتمل لأسهم شركة أرامكو النفطية الحكومية.
وأبدى الكاتب الأمريكي استغرابه من “عدم ذكر “القدس” قط على ألسنة الوزراء السعوديين الذين جلس معهم، مع أنَّ العديد من الفرص قد سنحت للحديث عن الأمر”، رغم أن البيت الأبيض عقد جلسات إحاطة مع العديد من الدبلوماسيين الأجانب ووسائل الإعلام؛ فكان جوهر الإعلان الوشيك معلوماً مسبقاً.
ويؤكد مدير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في مقاله أنَّ “السعوديين ربَّما كانوا ينتظرون أن يُفرِغوا ما بجعبتهم مرةً واحدةً في اجتماعنا الأخير في ذلك اليوم مع الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي. ظلَّت هذه الرابطة، على مدى عقود، تقوم بتمويل مدارس ومساجد ومؤسسات دينية؛ لذا فمن المؤكد أن يدين رئيس الرابطة الهجوم الأمريكي على قدسية الحكم الإسلامي للقدس”.
وأبدى روبرت ساتلوف دهشته من أنَّ رئيس الرابطة، محمد العيسى، كان يحمل رسالةً مختلفةً تماماً. إذ لم تمر كلمة “القدس” على شفتيه قط. وبدلاً من ذلك ذكر بفخرٍ الصداقات التي أقامها مع الحاخامات في أوروبا وأمريكا، وزيارته مؤخراً إلى كنيسٍ في باريس، والحوار بين الأديان الذي أبدى التزامه به. “ليست هذه السعودية التي نعرفها”.
ويستطرد الكاتب: “ثم خطر لي أنَّ السعوديين ربَّما كانوا ينتظرون أن يسمعوا بدقةٍ ما سيقوله ترامب، على أمل أن تقنعه توسلات اللحظات الأخيرة بتغيير قراره. ولأنَّ ترامب لم يُلقِ بيانه حتى الساعة التاسعة مساءً بتوقيت الرياض، ذهبتُ إلى النوم في تلك الليلة واثقاً من أنَّنا سنرى قريباً الوجه الحقيقي للمملكة “القديمة” وغضبها المستعر”.
ويتابع: “عندما تلقَّينا تأكيداً في صباح اليوم التالي أنَّنا سنلتقي ولي العهد محمد بن سلمان، عرفنا أنَّنا سنلاقي ما كنا نتوقعه من رد فعلٍ شديد على قرار ترامب”.
لقاء محمد بن سلمان
يقول الكاتب الأمريكي عن لقاء الأمير محمد: “لا يبدو أنَّ القدس كانت واحدة من بين هذه الموضوعات. ولولا أنَّنا سألناه بشكلٍ مباشر عن بيان ترامب، لربما ما كان النقاش سيُثار حول هذا الموضوع قط. فبالتأكيد لم يأتِ الأمير محمد إلى الاجتماع من أجل التنفيس عن أفكاره ومشاعره”.
ويضيف: “لكنَّنا أردنا مغادرة الرياض ونحن نمتلك فهماً واضحاً لرأيه في هذه المسألة، لذا سألناه. وللحفاظ على قدرٍ من السرية، لن أقتبس من حديثه بشكلٍ مباشر، لكن يمكنني قول هذا: قَصَرَ ابن سلمان حديثه على كلمةٍ واحدة هي خيبة الأمل من قرار الرئيس الأمريكي، حرفياً، ثُمَّ انتقل سريعاً للحديث عن الموضوعات التي يمكن أن تعمل فيها الرياض وواشنطن معاً لاحتواء تداعيات القرار، وإعادة الأمل لعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية”.
ويتابع: “لم يقف عند هذا الحد. ففي يومٍ يُوصَف على نطاقٍ واسع بأنَّه أحلك يومٍ في تاريخ العلاقات الأمريكية مع العالم العربي منذ عقود، طرح بن سلمان رؤيةً مختلفة للغاية بشأن العلاقات الأمريكية السعودية، وإمكانية بناء شراكةٍ إسرائيلية-سعودية”.
وفي هذا الصدد، أكَّد بن سلمان مِراراً متانة الشراكة الأمنية بين البلدين، التي أشار بفخرٍ إلى أنَّها الأقدم في المنطقة، أقدم حتى من العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
أمَّا في ما يتعلَّق بإسرائيل نفسها، فكان حديثه إيجابياً بشكلٍ غير مُعتادٍ. “فعلى النقيض من كل ما سمعتُه من القادة السعوديين في زياراتٍ سابقة؛ لم يتحدث بن سلمان مطلقاً عن النزعة التوسُّعية، والعجرفة، والظلم الإسرائيلي أو الانتهاك الإسرائيلي لحقوق المسلمين في القدس. بل تحدث عن مستقبلٍ واعد ينتظر العلاقات الإسرائيلية-السعودية بمجرد الوصول إلى اتفاق سلامٍ، وتعهَّد عملياً بالسعي لتحقيق هذا”.
ويوضح الكاتب الأمريكي أن هذه “كانت وجهة النظر السعودية الرسمية. فبينما كُنَّا نتوقع انتقاداً حاداً للولايات المتحدة واستنكاراً لاذعاً لترامب، سمعنا لوماً معتدلاً لقرار الرئيس بشأن القدس ورؤية مفعمة بالأمل لبناء شراكةٍ سعودية-إسرائيلية”.
ويتساءل الكاتب في مقاله: “هل كان محمد بن سلمان يقول فقط ما يريد الحضور سماعه؟ ربما. كُنَّا متأثرين بمسعاه لتطبيق “الإسلام المعتدل”، وحديثه عن تقليص عدد المتطرفين في المؤسسات الدينية السعودية جذرياً. وطرح بن سلمان نسبةً محددة عن درجة السوء الذي كانت عليه المشكلة منذ عامين، وتوقُّعاته بشأن تقلُّص هذه النسبة كثيراً في السنوات الثلاث المقبلة. في رأيي كان هذا اعترافاً صريحاً بالمسؤولية السعودية عن التعصُّب الديني، وإشارةً قوية على التزامها بالتغيير”.
ويخلص الكاتب إلى أن “الكثير منا قد غادر وهو متخوّفٌ من مدى قدرة قائدٍ طموح كهذا على إحراز تقدُّمٍ سريع بما يكفي للحفاظ على الدعم الحالي الذي يحظى به من شعبه، دون أن تصل هذه السرعة إلى درجةٍ تُسبب ردة فعل عنيفة من جانب من سيتضرَّرون من هذا التحول الكبير في سياسات المملكة”.
ويختم روبرت ساتلوف مقاله قائلاً: “لكن حتى إن قال محمد بن سلمان ما نريد سماعه، وإن يكن! إذ يمكن أن يحدث نقيض هذا بسهولة، وأعني أنَّه كان بمقدوره استغلال المناسبة ليبعث رسالةً مباشرة، عن طريقنا، إلى القادة الأمريكيين وأصدقاء الشراكة الإسرائيلية الأمريكية بشأن التكلفة العالية لقرار الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل. لكنَّه لم يفعل، وهذا يُهم كثيراً.
ويبدو أنَّ أولئك الذين تنبؤوا بأنَّ ردة فعل العرب والمسلمين على خطوة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل كارثية، وستؤدي مثلاً إلى اندلاع موجة تظاهرات مناهضة للولايات المتحدة، وانتشار العنف ضد المواطنين، والمؤسسات والمصالح الأمريكية، وانتهاء النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكلٍ نهائي لا رجعة فيه، كانوا مخطئين تماماً”.















