بعد أشهر من الجمود، عادت المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى الواجهة بقوة، عقب اللقاء الذي جمع وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني بمدير جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد» رومان غوفمان، في تطور عكس انتقال الاتصالات بين دمشق وتل أبيب إلى مستوى أكثر حساسية، بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي داخل الأراضي السورية.
وجاء اللقاء في أعقاب الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، وسط اتهامات إسرائيلية بشأن احتمال استخدام المطار في إطار تعاون عسكري سوري تركي، وهو ما تنفيه دمشق، مؤكدة أن المطار لن يتحول إلى قاعدة عسكرية تركية.
ويرى مراقبون أن التصعيد الإسرائيلي لم يصنع المسار التفاوضي من الصفر، لكنه دفعه إلى الواجهة وسرّع الاتصالات، في محاولة لمنع تحول التوتر المتصاعد إلى مواجهة أوسع قد تتداخل فيها أطراف إقليمية، وفي مقدمتها تركيا.
لقاء الشيباني ومدير الموساد.. تحول نوعي
يمثل دخول «الموساد» بصورة مباشرة على خط الاتصالات مع دمشق تطوراً لافتاً في مسار المفاوضات السورية الإسرائيلية، بعدما غلب الطابع الدبلوماسي على الاتصالات السابقة.
ويشير هذا التحول إلى أن الملف تجاوز حدود الاتصالات السياسية التقليدية، وأصبح مرتبطاً بصورة أكبر بالملفات الأمنية والعسكرية الحساسة، وعلى رأسها انتشار القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ومستقبل التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة، وترتيبات الأمن على الحدود.
وبحسب تقديرات محللين، فإن الغارات على مطار أبو الظهور حملت رسالة إسرائيلية واضحة مفادها أن تل أبيب تريد فرض خطوط حمراء على طبيعة التحالفات العسكرية السورية، بينما تسعى دمشق إلى منع إسرائيل من تحويل الأراضي السورية إلى ساحة صراع إقليمي.
ماذا تريد سوريا من المفاوضات؟
تضع دمشق السيادة السورية في مقدمة أولوياتها، إلى جانب إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية وتحديد تحالفاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
وتتمسك سوريا، وفق المواقف المعلنة، بعدد من المطالب الرئيسية، أبرزها:
انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل.
الحفاظ على السيادة السورية وحرية اتخاذ القرار.
إعادة بناء الجيش والمؤسسات العسكرية السورية.
استمرار التعاون مع الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا.
عدم تحويل الأراضي السورية إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية.
وتسعى دمشق، في الوقت نفسه، إلى تثبيت مقاربة تقوم على معالجة الخلافات مع إسرائيل عبر الدبلوماسية والاتفاقات الأمنية، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
ماذا تريد إسرائيل؟
في المقابل، تركز إسرائيل على الحصول على ضمانات أمنية تمنع تحول سوريا إلى مصدر تهديد مستقبلي، خصوصاً في ظل إعادة بناء الجيش السوري وتوسع التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة.
وتبدو تركيا واحدة من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات الحالية، إذ تنظر إسرائيل بعين القلق إلى التعاون العسكري التركي السوري، وسط مخاوف من إنشاء بنية عسكرية تركية داخل سوريا يمكن أن تغير موازين القوى الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم استهداف مطار أبو الظهور باعتباره جزءاً من صراع أوسع على شكل النفوذ العسكري والأمني في سوريا الجديدة، وليس مجرد عملية عسكرية منفصلة.
مطار أبو الظهور.. شرارة التصعيد
أعادت الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور رسم المشهد الأمني حول المفاوضات السورية الإسرائيلية، خصوصاً مع تنامي الحديث عن دور تركي محتمل في تأهيل المطار.
لكن دمشق تنفي وجود مخطط لتحويله إلى قاعدة عسكرية تركية، وتؤكد في الوقت ذاته تمسكها بالتعاون الدفاعي مع أنقرة.
وهنا تبرز معضلة أساسية: سوريا تريد الحصول على الدعم العسكري التركي في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها، بينما تريد إسرائيل ضمان ألا يتحول هذا التعاون إلى تهديد مباشر لمصالحها الأمنية.
وتزداد حساسية المشهد مع كون تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يجعل أي مواجهة سورية إسرائيلية مرتبطة بصورة أو بأخرى بحسابات إقليمية ودولية أوسع.
هل تريد إسرائيل اتفاقاً أم أوراق ضغط؟
يبقى السؤال الأبرز: هل يمثل التصعيد الإسرائيلي استراتيجية تفاوضية تهدف إلى الوصول إلى اتفاق أمني، أم أنه جزء من سياسة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض؟
يرى محللون أن حكومة بنيامين نتنياهو تستخدم القوة العسكرية لتوسيع هامش المناورة والحصول على أوراق تفاوضية إضافية، في ظل تغيرات كبيرة تشهدها المنطقة.
كما يذهب بعضهم إلى أن التصعيد قد يرتبط بالحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، حيث يمكن أن تتحول الملفات الأمنية والحروب الخارجية إلى وسيلة لتعزيز تماسك القاعدة السياسية لليمين الإسرائيلي.
لكن استمرار التصعيد يحمل مخاطرة معاكسة؛ إذ قد يؤدي الضغط العسكري المتواصل إلى دفع دمشق نحو مزيد من التحالفات الإقليمية، بدلاً من إبعادها عنها.
قد يهمك : ترامب يستهدف شرايين التجارة الإيرانية.. هذه الدول الأكثر عرضة للعقوبات الأميركية
هل يقود التصعيد إلى اتفاق أم مواجهة؟
تكشف التطورات الأخيرة أن التصعيد والمفاوضات السورية الإسرائيلية أصبحا مسارين متوازيين؛ فكل جولة عسكرية ترفع الحاجة إلى التواصل، وكل تقدم تفاوضي يبقى معرضاً للانتكاس بفعل التطورات الميدانية.
وتريد دمشق اتفاقاً أمنياً يعيد تثبيت سيادتها ويضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، بينما تبحث تل أبيب عن ترتيبات تمنع أي تهديد محتمل من الأراضي السورية وتحد من نفوذ القوى الإقليمية المنافسة.
وبين هذين المسارين، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل ما زالت رهينة بقدرة الطرفين على تجاوز أزمة الثقة، والوجود العسكري الإسرائيلي، ومستقبل التعاون السوري التركي، ومستقبل الجولان.
وفي ظل استمرار التوتر، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت المفاوضات ستستمر، بل هل يستطيع الطرفان تحويل التصعيد من أداة للضغط إلى مدخل لاتفاق أمني مستدام؟















